فيفنى بمحبّة الله عن محبّة ما سواه، وبإرادته ورجائه والخوفِ منه والتّوكُّلِ عليه والإنابة إليه عن إرادة ما سواه وخوفه ورجائه والتّوكُّل عليه.
وهذا الفناء لا ينافي العلم بحالٍ بل ولا يَشْغَل عنه العلم، ولا يحول بين العبد وبينه، بل قد يكون في أغلب الأحوال من أعظم أعوانه. وهذا أمرٌ غفَلَ عنه أكثر المتأخِّرين، بحيث لم يعرفوه ولم يسلكوه، ولكن لم يُخْلِ الله الأرضَ من قائمٍ به داعٍ إليه.
قوله: (فبلاؤه بينهما)، أي عذابه وألمه بين داعي الحال وداعي العلم، فإيمانه يحمله على إجابة داعي العلم، ووارِدُه يحمله على إجابة داعي الحال، فيصير كالغريم بين المطالبينِ١. كلٌّ منهما يطالبه بحقِّه، وليس بيده إلّا ما يقضي أحدهما.
وقد عرفتَ أنّ هذا من الضِّيق٢، وإلّا فمع السّعة يُوفِّي كلًّا منهما حقَّه.
قوله: (يُذِيقه شهودًا طورًا)، أي ذلك البلاء الحاصل بين الدّاعيينِ يُذِيقه شهودًا طورًا، وهو الطّور الذي يكون الحاكم عليه فيه هو العلم.
قوله: (ويكسوه عبرةً طورًا)، الظّاهر: أنّه عِبْرةٌ بالباء الموحّدة، أي اعتبارًا بأفعاله واستدلالًا عليه بها، وأنّه٣ سبحانه دلَّ على نفسه بأفعاله. فالعلم يكسو صاحبَه اعتباره واستدلاله٤ على الرّبِّ بأفعاله.
(١) ر، ت: «مطالبين».
(٢) ت: «التضييق».
(٣) ر، ت: «فإنه».
(٤) ر: «اعتبارًا واستدلالًا».
ويصحُّ أن يكون غيرةً بالغين المعجمة١ والياء المثنّاة من تحت، ومعناه: أنّ العلم يكسوه غيرةً من حجابه عن مقام صاحب الحال، فيَغَارُ من احتجابه عن الحال بالعلم، وعن العيان بالاستدلال، وعن الشُّهود ــ الذي هو مقام الإحسان ــ بالإيمان، الذي هو إيمانٌ بالغيب.
قوله: (ويُرِيه غيرةَ تفرُّقٍ طورًا)، هذا بالغين المعجمة ليس إلّا، أي: ويُرِيه العلم غيرةَ تفرقةٍ٢ في أوديته، فيُفرِّق بين أحكام الحال وأحكام العلم، وهي حالة صحوٍ وتمييزٍ.
وكأنّ الشّيخ ﵀ يشير إلى أنّ صاحب هذا المقام تَغَار تفرقتُه٣ من جمعيّته على الله، فنفسُه تفرُّ من الجمعيّة على الله إلى تفرُّقِ العلم، فإنّه لا أشقَّ على النُّفوس من جمعيّتها على الله، فهي تهرب من الله إلى الحال تارةً، وإلى العمل تارةً، وإلى العلم تارةً. هذه نفوس السّالكين الصّادقين. ومن٤ ليس من أهل هذا الشّأن فنفوسُهم تَفِرُّ من الله إلى الشّهوات والرّاحات.
فأشقُّ ما على النفس٥: جمعيَّتُها على الله، وهي تُناشِد صاحبها أن لا يُوصِلها إليه، وأن يَشْغَلَها بما دونه. فإنّ حبسَ النّفسِ على الله شديدٌ، وأشدُّ منه حبْسُها على أوامره وحبْسُها عن نواهيه، فهي دائمًا تُرضِيك بالعلم عن