ويصحُّ أن يكون غيرةً بالغين المعجمة١ والياء المثنّاة من تحت، ومعناه: أنّ العلم يكسوه غيرةً من حجابه عن مقام صاحب الحال، فيَغَارُ من احتجابه عن الحال بالعلم، وعن العيان بالاستدلال، وعن الشُّهود ــ الذي هو مقام الإحسان ــ بالإيمان، الذي هو إيمانٌ بالغيب.
قوله: (ويُرِيه غيرةَ تفرُّقٍ طورًا)، هذا بالغين المعجمة ليس إلّا، أي: ويُرِيه العلم غيرةَ تفرقةٍ٢ في أوديته، فيُفرِّق بين أحكام الحال وأحكام العلم، وهي حالة صحوٍ وتمييزٍ.
وكأنّ الشّيخ ﵀ يشير إلى أنّ صاحب هذا المقام تَغَار تفرقتُه٣ من جمعيّته على الله، فنفسُه تفرُّ من الجمعيّة على الله إلى تفرُّقِ العلم، فإنّه لا أشقَّ على النُّفوس من جمعيّتها على الله، فهي تهرب من الله إلى الحال تارةً، وإلى العمل تارةً، وإلى العلم تارةً. هذه نفوس السّالكين الصّادقين. ومن٤ ليس من أهل هذا الشّأن فنفوسُهم تَفِرُّ من الله إلى الشّهوات والرّاحات.
فأشقُّ ما على النفس٥: جمعيَّتُها على الله، وهي تُناشِد صاحبها أن لا يُوصِلها إليه، وأن يَشْغَلَها بما دونه. فإنّ حبسَ النّفسِ على الله شديدٌ، وأشدُّ منه حبْسُها على أوامره وحبْسُها عن نواهيه، فهي دائمًا تُرضِيك بالعلم عن
(١) ر: «عيرة بالعين المهملة»، خطأ.
(٢) ت: «تفرق».
(٣) ر، ت: «تفرقه».
(٤) ر: «وأما من».
(٥) ر: «النفوس».
العمل، وبالعمل عن الحال، وبالحال عن الله سبحانه، وهذا أمرٌ لا يعرفه إلّا من شدَّ مِئزَرَ سيرِه إلى الله، وعلمَ أنّ كلّ ما سواه فهو قاطعٌ عنه.
وقد تضمّن كلامُه في هذه الدّرجة ثلاثَ درجاتٍ كما أشار إليه: درجة الحال، ودرجة العلم، ودرجة التّفرقة بين الحال والعلم. وهذه الثّلاث درجات هي المختصّة بالمعنى الثّاني من معاني الوقت.
فصل
قال١: (والمعنى الثّالث، قالوا: الوقت الحقُّ. أرادوا به: استغراق رسم الوقت في وجود الحقِّ. وهذا المعنى يَسبِق٢ على هذا الاسم عندي، لكنّه هو اسمٌ في هذا المعنى الثّالث، لحين تتلاشى فيه الرُّسوم كشفًا، لا وجودًا محضًا. وهو فوق البرق والوجد. وهو يُشارِف٣ مقامَ الجمع لو دام وبقي، ولا يبلُغُ واديَ الوجود، لكنّه يكفي مؤنةَ المعاملة، ويُصفِّي عينَ المسامرة، ويُشِمُّ روائحَ٤ الوجود).
هذا المعنى الثّالث من معاني الوقت أخصُّ ممّا قبله، وأصعبُ تصوُّرًا وحصولًا. فإنّ الأوّل وقتُ سلوكٍ يتلوَّنُ، وهذا وقتُ كشفٍ يتمكَّن. ولذلك أطلقوا عليه اسم «الحقِّ»، لغلبة حكمه على قلب صاحبه، فلا يُحسُّ برسم الوقت، بل يتلاشى ذكرُ وقتِه من قلبه، لما قهره من نور الكشف.
(١) «المنازل» (ص ٨٢، ٨٣).
(٢) في «المنازل»: «يشق». والمثبت موافق لما في «شرح التلمساني».