مدارج السالكين

موجودٌ على الحقيقة إلّا الله» أو «هناك يفنى من لم يكن، ويبقى من لم يزل» ونحو ذلك من العبارات، فهذا مرادهم. لا سيّما إذا حصل هذا الاستغراق في الشُّهود كما هو في الوجود، وغلب سلطان الحال على سلطان العلم، وكان القلب١ مغمورًا بوارده، وفي قوّة التّمييز ضعفٌ، وقد تَوارى العلم بالشُّهود وحكم الحال. فهناك يثبِّت الله الذين آمنوا بالقول الثّابت٢، وتَزِلُّ أقدامٌ كثيرةٌ إلى الحضيض الأدنى. ولا ريبَ أنّ وجود الحقِّ سبحانه ودوامه يستغرق وجودَ كلِّ ما سواه ووقته وزمانه٣، بحيث يصير كأنّه لا وجودَ له.

ومن هنا غلِطَ القائلون بوحدة الوجود، وظنُّوا أنّه ليس لغيره وجودٌ البتّةَ، وغَرَّتْهم٤ كلماتٌ مشتبهة٥ جرَتْ على ألسنة٦ أهل الاستقامة من الطّائفة، فجعلوها عمدةً لكفرهم وضلالهم، فظنُّوا أنّ السّالكين سيرجعون إليهم، وتصير طريقة النّاس واحدةً، ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [التوبة: ٣٢].

قوله: (وهذا المعنى يسبق على هذا الاسم عندي)، يريد أنّ «الحقّ» سابقٌ على هذا الاسم الذي هو «الوقت»، أي هو منزَّهٌ عن أن يسمّى بالوقت، فلا ينبغي إطلاقه عليه، لأنّ الأوقات حادثةٌ.

  1. (١) ر: «العلم».
  2. (٢) اقتباس من سورة إبراهيم: ٢٧.
  3. (٣) د: «وزمنه».
  4. (٤) ر: «وغرَّهم».
  5. (٥) ر: «مشتبهات».
  6. (٦) ت: «ألسن».
561

قوله: (لكنّه اسمٌ في هذا المعنى الثّالث، لحين١ تتلاشى فيه الرُّسوم كشفًا لا وجودًا محضًا).

تَلاشِي الرُّسوم: اضمحلالُها وفناؤها. والرُّسوم عندهم: ما سوى الله. وقد صرّح الشّيخ أنّها إنّما تتلاشى في الكشف لا في الوجود العيني الخارجي، فإنّ تلاشيَها في الوجود خلافُ الحسّ والعيان، وإنما تتلاشى في وجود العبد الكشفيِّ، بحيث لا يبقى فيه سعةٌ للإحساس بها٢، لِما استغرقَه من الكشف. فهذه عقيدة أهل الاستقامة من القوم.

وأمّا الملاحدة أهل وحدة الوجود، فعندهم: أنّها لم تزل متلاشيةً في عين٣ وجود الحقِّ، بل وجودها هو نفس وجوده. وإنّما كان الحسُّ يُفرِّق بين الوجودين، فلمّا غاب عن حسِّه بكشفه تبيّن له أنّ وجودها هو عين وجود الحقِّ.

ولكنّ الشّيخ كأنّه عبّر بالكشف والوجود عن المقامين اللّذين ذكرهما في كتابه، والكشفُ هو دون الوجود عنده، فإنّ الكشف يكون مع بقاء بعض رسوم صاحبه، فليس معه استغراقٌ في الفناء. والوجود لا يكون معه رسمٌ باقٍ، ولذلك قال: لا وجودًا محضًا، فإنّ الوجود المحض عنده يُفنِي الرُّسوم. وبكلِّ حالٍ فهو يُفنِيها من وجود الواجد، لا يُفنيها في الخارج.

وسرُّ المسألة: أنّ الواصل إلى هذا المقام يصير له وجودٌ آخر، غير

  1. (١) ش، د: «فحين».
  2. (٢) ت: «للأشياء برمتها».
  3. (٣) ت: «جنب».
562

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي