مدارج السالكين

قوله: (لكنّه اسمٌ في هذا المعنى الثّالث، لحين١ تتلاشى فيه الرُّسوم كشفًا لا وجودًا محضًا).

تَلاشِي الرُّسوم: اضمحلالُها وفناؤها. والرُّسوم عندهم: ما سوى الله. وقد صرّح الشّيخ أنّها إنّما تتلاشى في الكشف لا في الوجود العيني الخارجي، فإنّ تلاشيَها في الوجود خلافُ الحسّ والعيان، وإنما تتلاشى في وجود العبد الكشفيِّ، بحيث لا يبقى فيه سعةٌ للإحساس بها٢، لِما استغرقَه من الكشف. فهذه عقيدة أهل الاستقامة من القوم.

وأمّا الملاحدة أهل وحدة الوجود، فعندهم: أنّها لم تزل متلاشيةً في عين٣ وجود الحقِّ، بل وجودها هو نفس وجوده. وإنّما كان الحسُّ يُفرِّق بين الوجودين، فلمّا غاب عن حسِّه بكشفه تبيّن له أنّ وجودها هو عين وجود الحقِّ.

ولكنّ الشّيخ كأنّه عبّر بالكشف والوجود عن المقامين اللّذين ذكرهما في كتابه، والكشفُ هو دون الوجود عنده، فإنّ الكشف يكون مع بقاء بعض رسوم صاحبه، فليس معه استغراقٌ في الفناء. والوجود لا يكون معه رسمٌ باقٍ، ولذلك قال: لا وجودًا محضًا، فإنّ الوجود المحض عنده يُفنِي الرُّسوم. وبكلِّ حالٍ فهو يُفنِيها من وجود الواجد، لا يُفنيها في الخارج.

وسرُّ المسألة: أنّ الواصل إلى هذا المقام يصير له وجودٌ آخر، غير

  1. (١) ش، د: «فحين».
  2. (٢) ت: «للأشياء برمتها».
  3. (٣) ت: «جنب».
562

وجوده الطّبيعيِّ المشترك بين الموجودات، وتصير له نشأةٌ أخرى لقلبه وروحه، نسبةُ النّشأة الحيوانيّة إليها كنسبة النّشأة في بطن الأمِّ إلى هذه النّشأة المشاهدة في العالم، وكنسبة هذه النّشأة إلى النّشأة الأخرى.

فللعبد أربع نَشَآتٍ: نَشْأةٌ في الرَّحِم، حيث لا بصَرَ يُدرِكه، ولا يدَ تَنالُه. ونشأةٌ في الدُّنيا. ونشأةٌ في البرزخ. ونشأةٌ في المعاد الثّاني. وكلُّ نشأةٍ أعظم من التي قبلها. وهذه النشآت للرُّوح والقلب أصلًا، وللبدن تبعًا.

فللرُّوح في هذا العالم نشأتان. إحداهما: النّشأة الطّبيعيّة المشتركة، والثّانية: نشأةٌ قلبيّةٌ روحانيّةٌ، يُولَد بها قلبه وينفصل من مَشِيمة طبعه، كما وُلِد بدنه١ وانفصلَ من مَشِيمة البطن.

ومن لم يُصدِّق بهذا فليضرِبْ عن هذا صفحًا، وليشتغلْ بغيره.

وفي كتاب «الزُّهد» للإمام أحمد: أنّ المسيح قال للحواريِّين: إنّكم لن تَلِجُوا ملكوتَ السّماء حتّى تُولَدوا مرّتين٢.

وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: هي ولادةُ الأرواح والقلوب من الأبدان، وخروجها من عالم الطّبيعة، كما وُلدت الأبدان من البطن٣ وخرجتْ منه. والولادة الأخرى هي الولادة المعروفة. والله أعلم.

قوله: (وهو فوق البرق والوجد).

يعني: أنّ هذا الكشف الذي تلاشتْ فيه الرُّسوم فوقَ منزلتَي البرق

  1. (١) ر: «بطنه».
  2. (٢) تقدم. وأورده المؤلف أيضًا في «طريق الهجرتين» (١/ ٢٩، ٣٨١).
  3. (٣) ر: «البدن».
563

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي