مدارج السالكين

وعند الملحد١: أنّه يُفنِي عن المعاملات الجسمانيّة، ويردُّ صاحبه إلى المعاملات القلبيّة. وقد تقدّم إشباعُ هذا المعنى.

قوله: (ويُصفِّي عينَ المسامرة).

المسامرة عند القوم: هي الخطاب القلبيُّ الرُّوحيُّ بين العبد وربِّه. وقد تقدّم أنّ تسميتها بالمناجاة أولى. فهذا الكشف يُخلِّص عن المسامرة من ذكر غير الحقِّ سبحانه ومناجاته.

قوله: (ويشمُّ رائحة الوجود).

أي صاحب مقام هذا الوقت الخاصِّ يشمُّ روائح الوجود، وهو حضرة الجمع، فإنّهم يسمُّونها بالجمع والوجود، ويَعنُون بذلك ظهورَ وجود الحقِّ سبحانه وفناءَ وجود ما سواه.

وقد عرفتَ أنّ فناء وجود ما سواه بأحد اعتبارين: إمّا فناؤه من شهود العبد فلا يشهده، وإمّا اضمحلاله وتلاشيه بالنِّسبة إلى وجود الرّبِّ. ولا تلتفتْ إلى غير هذين المعنيين، فهو إلحادٌ وكفرٌ. والله المستعان.

  1. (١) يشير إلى «شرح التلمساني» (ص ٤٦١).
565

فصل

ومنها منزلة الصّفاء.

قال صاحب «المنازل»١: (باب الصّفاء. قال الله ﷿: ﴿وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ﴾ [ص: ٤٧]. الصّفاء اسمٌ للبراءة من الكَدَر، وهو في هذا الباب سقوطُ التّلوين).

أمّا استشهاده٢ بالآية: فوجهه أنّ المصطفى مُفتعَلٌ من الصَّفوة، وهي خلاصة الشّيء، وتصفيتُه ممّا يَشُوبه. ومنه: اصطفى الشَّيءَ لنفسه، أي خلَّصه من شوب شركة غيره له فيه. ومنه: الصَّفيُّ، وهو السّهم الذي كان يصطفيه رسول الله ﷺ لنفسه من الغنيمة. ومنه: الشّيء الصّافي، وهو الخالص من كدَرِ غيره.

قوله: (الصّفاء: اسمٌ للبراءة من الكَدَر).

البراءة هي الخلاص، والكدر: امتزاج الطّيِّب بالخبيث.

قوله: (وهو في هذا الباب سقوطُ التّلوين).

التّلوين هو التّردُّد والتّذبذب، كما قيل٣:

  1. (١) (ص ٨٣).
  2. (٢) ت: «الاستشهاد».
  3. (٣) البيت مع خبر في «اللمع» (ص ٢٨٦)، و«الرسالة القشيرية» (ص ٦٩٢)، و«صفة الصفوة» (٤/ ٥٢)، و«تلبيس إبليس» (ص ٢١٨)، و«التوابين» لابن قدامة (ص ٢٤٨)، و«التحفة العراقية» ضمن «مجموع الفتاوى» (١٠/ ٧٨). وفيها جميعًا: «كلَّ يوم»، وكذا في ر.
566

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي