قال صاحب «المنازل»١: (باب الصّفاء. قال الله ﷿: ﴿وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ﴾[ص: ٤٧]. الصّفاء اسمٌ للبراءة من الكَدَر، وهو في هذا الباب سقوطُ التّلوين).
أمّا استشهاده٢ بالآية: فوجهه أنّ المصطفى مُفتعَلٌ من الصَّفوة، وهي خلاصة الشّيء، وتصفيتُه ممّا يَشُوبه. ومنه: اصطفى الشَّيءَ لنفسه، أي خلَّصه من شوب شركة غيره له فيه. ومنه: الصَّفيُّ، وهو السّهم الذي كان يصطفيه رسول الله ﷺ لنفسه من الغنيمة. ومنه: الشّيء الصّافي، وهو الخالص من كدَرِ غيره.
قوله: (الصّفاء: اسمٌ للبراءة من الكَدَر).
البراءة هي الخلاص، والكدر: امتزاج الطّيِّب بالخبيث.
قوله: (وهو في هذا الباب سقوطُ التّلوين).
التّلوين هو التّردُّد والتّذبذب، كما قيل٣:
(١) (ص ٨٣).
(٢) ت: «الاستشهاد».
(٣) البيت مع خبر في «اللمع» (ص ٢٨٦)، و«الرسالة القشيرية» (ص ٦٩٢)، و«صفة الصفوة» (٤/ ٥٢)، و«تلبيس إبليس» (ص ٢١٨)، و«التوابين» لابن قدامة (ص ٢٤٨)، و«التحفة العراقية» ضمن «مجموع الفتاوى» (١٠/ ٧٨). وفيها جميعًا: «كلَّ يوم»، وكذا في ر.
كلَّ وقتٍ تتلوَّنْغيرُ هذا١ بك أجمَلْ
قال٢: (وهو على ثلاث درجاتٍ. الدّرجة الأولى: صفاء علمٍ يُهذِّب٣ لسلوك الطّريق، ويُبصِّر غايةَ الجدِّ، ويُصحِّح همّةَ القاصد).
ذكر الشّيخ له في هذه الدّرجة ثلاث فوائد:
الفائدة الأولى: (علمٌ يهذِّب لسلوك الطّريق)، وهذا العلم الصّافي الذي أشار إليه هو العلم الذي أوصى به القوم، وحذَّروا من مفارقته، وأخرجوا مَن فارقَه من أهل الطريق بالكلية. وهو العلم الذي جاء به الرسول صلوات الله وسلامه عليه.
وكان الجنيد يقول دائمًا٤: علمُنا هذا مقيَّدٌ بالكتاب والسُّنّة. من لم يحفظِ القرآن ولم يكتبِ الحديث ولم يفقَهْ فلا يُقتدى به٥.
وقال غيره من العارفين: كلُّ حقيقةٍ لا تَتبعها شريعةٌ فهي كفرٌ.
وقال الجنيد: علمنا هذا مُشتبك٦ بحديث رسول الله ﷺ.
(١) ر: «ترك هذا».
(٢) «المنازل» (ص ٨٣).
(٣) ت: «يهدي».
(٤) ت: «إنما».
(٥) تقدم هذا وما يليه من الأقوال فيما مضى (ص ٢٧٠، ٢٧١)، وهناك التخريج.