قال٢: (وهو على ثلاث درجاتٍ. الدّرجة الأولى: صفاء علمٍ يُهذِّب٣ لسلوك الطّريق، ويُبصِّر غايةَ الجدِّ، ويُصحِّح همّةَ القاصد).
ذكر الشّيخ له في هذه الدّرجة ثلاث فوائد:
الفائدة الأولى: (علمٌ يهذِّب لسلوك الطّريق)، وهذا العلم الصّافي الذي أشار إليه هو العلم الذي أوصى به القوم، وحذَّروا من مفارقته، وأخرجوا مَن فارقَه من أهل الطريق بالكلية. وهو العلم الذي جاء به الرسول صلوات الله وسلامه عليه.
وكان الجنيد يقول دائمًا٤: علمُنا هذا مقيَّدٌ بالكتاب والسُّنّة. من لم يحفظِ القرآن ولم يكتبِ الحديث ولم يفقَهْ فلا يُقتدى به٥.
وقال غيره من العارفين: كلُّ حقيقةٍ لا تَتبعها شريعةٌ فهي كفرٌ.
وقال الجنيد: علمنا هذا مُشتبك٦ بحديث رسول الله ﷺ.
(١) ر: «ترك هذا».
(٢) «المنازل» (ص ٨٣).
(٣) ت: «يهدي».
(٤) ت: «إنما».
(٥) تقدم هذا وما يليه من الأقوال فيما مضى (ص ٢٧٠، ٢٧١)، وهناك التخريج.
(٦) ر: «متشبك».
وقال أبو سليمان الدّارانيُّ: إنّه لتمرُّ بقلبي النُّكتة من نكت القوم، فلا أقبلها إلّا بشاهدينِ من الكتاب والسُّنّة.
وقال النّصراباذيُّ: أصلُ هذا المذهب ملازمة الكتاب والسُّنّة، وتركُ الأهواء والبدع، والاقتداء بالسّلف، وتركُ ما أحدثه الآخرون، والإقامة على ما سلكه الأوّلون.
وقد تقدّم ذكر بعض ذلك١.
فهذا العلم الصّافي المتلقّى من مشكاة الوحي والنُّبوّة يهذِّب صاحبَه لسلوك طريق العبوديّة، وحقيقة٢ التّأدُّبِ بآداب رسول الله ﷺ ظاهرًا وباطنًا٣، والوقوف معه حيث وقف بك، والمسير معه٤ حيث سار بك، بحيث تجعله بمنزلة شيخك الذي قد ألقيتَ إليه أمرَك كلّه سِرَّه وظاهرَه، واقتديتَ به في جميع أحوالك٥، ووقفتَ مع ما يأمرك به فلا تخالفه البتّةَ. فتجعل رسول الله ﷺ لك شيخًا وإمامًا وقدوةً وحاكمًا، وتُعلِّق قلبك بقلبه الكريم، وروحانيّتَك بروحانيّته، كما يُعلِّق المريد روحانيّته بروحانيّة شيخه. فتُجِيبه إذا دعاك، وتَقِفُ إذا استوقفك، وتسير إذا سار بك، وتَقِيل إذا قال، وتترك إذا ترك٦، وتغضب لغضبه، وترضى لرضاه. وإذا أخبرك عن شيءٍ أنزلتَه منزلةَ ما تراه بعينك، وإذا