مدارج السالكين

وقال أبو سليمان الدّارانيُّ: إنّه لتمرُّ بقلبي النُّكتة من نكت القوم، فلا أقبلها إلّا بشاهدينِ من الكتاب والسُّنّة.

وقال النّصراباذيُّ: أصلُ هذا المذهب ملازمة الكتاب والسُّنّة، وتركُ الأهواء والبدع، والاقتداء بالسّلف، وتركُ ما أحدثه الآخرون، والإقامة على ما سلكه الأوّلون.

وقد تقدّم ذكر بعض ذلك١.

فهذا العلم الصّافي المتلقّى من مشكاة الوحي والنُّبوّة يهذِّب صاحبَه لسلوك طريق العبوديّة، وحقيقة٢ التّأدُّبِ بآداب رسول الله ﷺ ظاهرًا وباطنًا٣، والوقوف معه حيث وقف بك، والمسير معه٤ حيث سار بك، بحيث تجعله بمنزلة شيخك الذي قد ألقيتَ إليه أمرَك كلّه سِرَّه وظاهرَه، واقتديتَ به في جميع أحوالك٥، ووقفتَ مع ما يأمرك به فلا تخالفه البتّةَ. فتجعل رسول الله ﷺ لك شيخًا وإمامًا وقدوةً وحاكمًا، وتُعلِّق قلبك بقلبه الكريم، وروحانيّتَك بروحانيّته، كما يُعلِّق المريد روحانيّته بروحانيّة شيخه. فتُجِيبه إذا دعاك، وتَقِفُ إذا استوقفك، وتسير إذا سار بك، وتَقِيل إذا قال، وتترك إذا ترك٦، وتغضب لغضبه، وترضى لرضاه. وإذا أخبرك عن شيءٍ أنزلتَه منزلةَ ما تراه بعينك، وإذا

  1. (١) (ص ٢٧١).
  2. (٢) ر: «وحقيقتها».
  3. (٣) بعدها في ر، ت: «وتحكيمه باطنًا وظاهرًا».
  4. (٤) «معه» ليست في ش.
  5. (٥) ت: «أحواله».
  6. (٦) ر، ت: «وتنزل إذا نزل».
568

أخبرك عن الله بخبرٍ أنزلتَه منزلةَ ما تسمعه من الله بأذنك.

وبالجملة: فتجعل الرّسولَ شيخك وأستاذك، ومعلِّمك ومربِّيك ومؤدِّبك، وتُسقِط الوسائطَ بينك وبينه إلّا في التّبليغ، كما تُسقِط الوسائط١ بينك وبين المرسل في العبوديّة، ولا تُثبِت وساطةً إلّا في وصول أمره ونهيه ورسالته إليك.

وهذان التّجريدان حقيقة شهادة أن لا إله إلّا الله وأنّ محمّدًا رسول الله٢. فالله وحده المعبود المألوه، الذي لا يستحقُّ العبادةَ سواه، ورسولُه المُطاع المتَّبَع المقتدَى به، الذي لا يستحقُّ الطّاعةَ سواه. ومَن سِواه فإنّما يُطاع إذا أمر بطاعته، فيطاع تبعًا لا أصلًا٣.

وبالجملة: فالطّريق مسدود إلّا على من اقتفى آثار رسول الله ﷺ، واقتدى به في ظاهره وباطنه.

فلا يتعنَّى السّالكُ على غير هذه الطّريق، فليس حظُّه من سلوكه إلّا التّعب، وأعمالُه ﴿أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ يَحْسِبُهُ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ﴾ [النور: ٣٩].

ولا يتعنّى السّالك على هذه الطّريق٤، فإنّه واصلٌ ولو زحفَ زحفًا. فأتباعُ الرّسول إذا قعدتْ بهم أعمالُهم قامتْ بهم عزائمُهم وهِممُهم

  1. (١) ر: «الوسائل».
  2. (٢) ر: «عبده ورسوله».
  3. (٣) ر: «تبعا للأصل».
  4. (٤) ت: «غير هذه الطريق».
569

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي