مدارج السالكين

فعجِب النّاس لهم، فسألوهم عن حالهم، فقالوا: بلادنا من أحسنِ البلاد، وأجمعِها لسائر أنواع النّعيم، وأرخاها، وأكثرِها مياهًا، وأصحِّها هواءً، وأكثرها فاكهةً، وأعظمها اعتدالًا، وأهلها كذلك أحسن النّاس صورًا وأبشارًا. ومع هذا فمَلِكُها لا يناله الوصف جمالًا وكمالًا، وإحسانًا وعلمًا وحلمًا، وجودًا ورحمةً للرّعيّة، وقربًا منهم. وله الهيبة والسّطوة على سائر ملوك الأطراف، فلا يطمع أحدٌ منهم في مقاومته ومحاربته. فأهلُ بلدِه في أمانٍ من عدوِّهم، لا يحلُّ الخوف بساحتهم. ومع هذا فله أوقاتٌ يَبْرُز فيها إلى رعيَّته، فيُسهِّل لهم الدُّخول عليه، ويرفع الحجاب بينه وبينهم، فإذا وقعت أبصارهم عليه تلاشى كلُّ ما هم فيه من النّعيم واضمحلّ، حتّى لا يلتفتون إلى شيءٍ منه. فإذا أقبلَ على واحدٍ منهم أقبلَ عليه سائر أهل المملكة بالتّعظيم والإجلال، ونحن رسلُه إلى أهل البلاد ندعوهم إلى حضرته، وهذه كُتُبه إلى النّاس، ومعنا من الشُّهود ما يُزِيل سوء الظّنِّ بنا، واتِّهامنا بالكذب عليه.

فلمّا سمع النّاس ذلك وشاهدوا أحوالَ الرُّسل انقسموا أقسامًا:

فطائفةٌ قالت: لا نفارق أوطاننا، ولا نخرج من ديارنا، ولا نتجشَّم مشقّة السّفر البعيد، وتَرْك ما أَلِفناه من عيشنا ومنازلنا، ومفارقة آبائنا وأبنائنا وإخواننا، لأمرٍ وعدنا به في غير هذه البلاد، ونحن لم نقدر على تحصيل ما نحن فيه إلّا بعد الجهد والمشقّة، فكيف ننتقل عنه؟

ورأت هذه الفرقة مفارقتها لأوطانها وبلادها كمفارقة أنفسها لأبدانها، فإنّ النّفس لشدّة إِلْفها بالبدن أكرهُ ما إليها مفارقته، ولو فارقَتْه إلى النّعيم المقيم.

571

فهذه الطّائفة غلب عليها داعي الحسِّ والطّبع على داعي العقل.

والطّائفة الثّانية: لمّا رأت حالَ الرُّسل، وما هم فيه من البهجة وحسن الحال، وعلموا صدقهم= تأهَّبوا للمسير إلى بلاد الملك، فأخذوا في السَّير، فعارضهم أهلُهم وأصحابهم وعشائرهم من القاعدين، وعارضَتْهم مساكنُهم ودورهم وبساتينهم، فجعلوا يُقدِّمون رِجلًا ويؤخِّرون أخرى، فإذا تذكّروا طيبَ بلاد الملك وما فيها من سلوة العيش تقدَّموا نحوها، وإذا عارضهم ما أَلِفوه واعتادوا من ظلال بلادهم وعيشها وصحبةِ أهلهم وأصحابهم تأخّروا عن المسير، والتفتوا إليهم. فهم دائمًا بين الدّاعيَيْنِ والجاذبينِ، إلى أن يغلب أحدهما ويقوى على الآخر، فيصيرون إليه.

والطّائفة الثّالثة: ركبتْ ظهورَ عزائمها، ورأتْ أنّ بلاد الملك أولى بها، فوطَّنتْ أنفسَها على قصدها، ولم يَثْنِها لومُ اللُّوّام. لكن في سيرها بطءٌ بحسب ضعفِ ما كُشِف لها من أحوال تلك البلاد وحال الملك.

والطّائفة الرّابعة: جدّتْ في المسير وواصلتْه، فسارت سيرًا حثيثًا. فهم كما قيل١:

ورَكْبٍ سَرَوْا واللّيلُ مُرْخٍ سُدُولَه٢... على كلِّ مُغْبَرِّ المطالعِ٣ قاتمِ

حَدَوا عَزَماتٍ ضاعتِ الأرضُ بينهافصار سُراهم في ظُهورِ العزائمِ
  1. (١) الأبيات للشريف الرضي في «ديوانه» (٢/ ٣٨٢) ببعض الاختلاف. وأنشدها المؤلف في «روضة المحبين» (ص ١٠)، و«الفوائد» (ص ٦٢).
  2. (٢) في ش فوق الكلمة: «رواقه». وكذا أنشده المؤلف في المصدرين السابقين.
  3. (٣) في هامش ش: «الموارد» بعلامة صح. وكذا في «روضة المحبين».
572

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي