مدارج السالكين

خطابٌ ملكيٌّ. وهو نوعان:

أحدهما: خطابٌ يسمعه بأذنه، وهو١ نادرٌ بالنِّسبة إلى عموم المؤمنين.

والثّاني: خطابٌ يُلقى في قلبه، يخاطب به الملَكُ روحَه، كما في الحديث المشهور: "إنّ للملك لَمَّةً بقلب ابن آدم، وللشّيطان لَمَّةً. فلمَّةُ الملك: إيعادٌ بالخير وتصديقٌ بالوعد. ولمّةُ الشّيطان إيعادٌ بالشّرِّ وتكذيبٌ بالوعد". ثمَّ قرأ قوله٢: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا﴾ [البقرة: ٢٦٨]٣.

وقال تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الأنفال: ١٢]. قيل في تفسيرها: قوُّوا قلوبهم، وبشِّروهم بالنّصر. وقيل: احضروا معهم القتال٤. والقولانِ حقٌّ، فإنّهم حضروا معهم القتال، وثبَّتوا قلوبَهم.

  1. (١) ع: "فهو".
  2. (٢) "قوله" ساقط من ع.
  3. (٣) أخرجه الترمذي (٢٩٨٨) والبزار (٥/ ٣٩٤) والنسائي في "الكبرى" (١٠٩٨٥) وأبو يعلى (٤٩٩٩) وابن حبان (٩٩٧) والبيهقي في "شعب الإيمان" (٤١٨٧) من حديث عبد الله بن مسعود مرفوعًا. قد اختُلِف في رفعه ووقفه، فرجَّح أبو حاتم وأبو زرعة وقفَه كما في "العلل" لابن أبي حاتم (٢٢٢٤). وانظر: "العلل الكبير" للترمذي (٦٥٤). والأثر الموقوف أخرجه ابن المبارك في "الزهد" (١/ ٥٠٣ - رواية الحسين المروزي) وأحمد في "الزهد" (٨٥٩ - دار ابن رجب) وأبو داود في "الزهد" (١٦٤) والطبراني (٩/ ١٠١) من طرق عن ابن مسعود.
  4. (٤) عبارة البغوي: "قيل: ذلك التثبيت حضورُهم معهم القتالَ ومعونتُهم. أي: ثبِّتوهم بقتالكم معهم المشركين". وقال المؤلف في "الصواعق" كما جاء في "مختصره" (٣/ ٨٤٣): "فهؤلاء ملائكة معيَّنون، وهم الذين أنزلهم الله تعالى يوم بدر للقتال مع المؤمنين".
73

ومن هذا الخطاب: واعظُ الله في قلوب عباده المؤمنين، كما في "جامع التِّرمذيِّ" و"مسند أحمد"١ من حديث النَّوَّاس بن سَمْعان عن النّبيِّ ﷺ قال: "إنّ الله تعالى ضرب مثلًا صراطًا مستقيمًا، وعلى كتفَي الصِّراط سوران لهما أبوابٌ مفتَّحةٌ. وعلى الأبواب ستورٌ مرخاةٌ، وداعٍ يدعو على رأس الصِّراط، وداعٍ يدعو فوق الصِّراط. فالصِّراط المستقيم الإسلام، والسُّوران حدود الله، والأبواب المفتَّحة محارم الله. فلا يقع أحدٌ في حدٍّ من حدود الله حتّى يكشف السِّتر. والدّاعي على رأس الصِّراط كتاب الله، والدّاعي فوق الصِّراط واعظُ الله في قلب كلِّ مؤمنٍ". هذا٢ أو معناه. فهذا الواعظ في قلوب المؤمنين هو الإلهام الإلهيُّ بواسطة الملائكة.

وأمّا وقوعه بغير واسطةٍ فممَّا٣ لم يتبيَّن بعدُ، والجزمُ فيه بنفيٍ أو إثباتٍ موقوفٌ على الدّليل. والله أعلم.

  1. (١) الترمذي (٢٨٥٩) وأحمد (١٧٦٣٤، ١٧٦٣٦). وأخرجه أيضًا ابن أبي عاصم في "السنة" (١٨ - الظلال) وابن نصر في "السنة" (٩، ١٠ - غراس) والنسائي في "الكبرى" (١١١٦٩) والطحاوي في "مشكل الآثار" (٢١٤٢، ٢١٤٣) والطبراني في "مسند الشاميين" (١١٤٧) والحاكم (١/ ٧٣) من طريقين حسنَين عن جبير بن نفير عن النواس بن سمعان به. والحديث صححه الحاكم والألباني.
  2. (٢) م: "فهذا" ويبدو أنه كان كذا في ق، ل، فغيِّر في ق إلى "بهذا" كما في ج، وغيِّر في ل إلى "هذا" كما في ش. ولم يرد "هذا أو معناه" في ع.
  3. (٣) كان في الأصل: "فما"، ولا غبار عليه، ولكنه أصلح كما في النسخ الأخرى.
74

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي