مدارج السالكين
أرَتْهم نجومُ اللّيل ما يطلبونهعلى عاتقِ الشِّعرى وهَامِ النَّعائمِ
فأَمُّوا حِمًى لا ينبغي لسواهمُوما أخذتْهم فيه لَومةُ لائم

فهؤلاء هِمَّتُهم مصروفةٌ إلى المسير، وقُواهم موقوفةٌ عليه من غير تنبُّهٍ منهم إلى المقصود الأعظم والغاية العليا.

والطّائفة الخامسة: أخذوا في الجِدِّ في السير، وهمّتُهم متعلِّقةٌ بالغاية، فهم في سيرهم ناظرون إلى المقصود بالسير، فكأنّهم يشاهدونه من بُعدٍ وهو يدعوهم إلى نفسه وإلى بلاده، وهم عاملون على هذا الشّاهد الذي قام بقلوبهم.

وعملُ كلِّ أحدٍ على قَدْرِ شاهدِه. فمن شاهدَ١ المقصودَ بالعمل في علمه كان نصحُه فيه وإخلاصه وتحسينه وبذلُ الجهد فيه أتمَّ ممّن لم يلاحظه، ولم يجد من مَسِّ التّعب والنّصب ما يجده الغائب. والوجود شاهدٌ بذلك، فمن عمل عملًا لِمَلِكٍ بحضرته وهو شاهده= ليس حاله كحالة مَن عمل في غَيبته وبُعدِه عنه، وهو غير متيقِّنٍ بوصوله إليه.

وقوله: (ويُصحِّح همّةَ القاصد).

أي: ويُصحِّح له صفاءُ هذا العلم همّتَه، ومتى صحّت الهمّة علَتْ وارتفعت، فإنّ سُفولَها ودناءتها من علَّتها وسَقَمها، وإلّا فهي كالنّار تطلب الصُّعود والارتفاع ما لم تُمنع.

وأعلى الهمم همّةٌ اتّصلتْ بالحقِّ طلبًا وقصدًا، وأوصلت الخلقَ إليه دعوةً ونصحًا، وهذه همّة الرُّسل وأتباعهم. وصحّتُها: بتجريدها من انقسام

  1. (١) «شاهد» ليست في د.
573

طلبها وانقسام مطلوبها وانقسام طريقها، بل توحّد مطلوبها بالإخلاص، وطلبها بالصِّدق، وطريقها بالسُّلوك خلف الدّليل الذي نصبَه الله دليلًا، لا من نصبَه هو دليلًا له.

ولله الهِمم! ما أعجبَ شأنَها، وأشدَّ تفاوتَها! فهمَّةٌ متعلِّقةٌ بمن فوقَ العرش، وهمّةٌ حائمةٌ حولَ الأنتان والحُشِّ. والعامَّة تقول: قيمة كلِّ امرئٍ ما يُحسِنه١، والخاصّةُ تقول: قيمة المرء ما يطلبه، وخاصّةُ الخاصّة تقول: قيمتُه همتُه إلى مطلوبه.

وإذا أردتَ أن تعرف مراتبَ الهمم فانظر إلى همَّة ربيعة بن كعبٍ الأسلميِّ وقد قال له رسول الله ﷺ: «سَلْني»، فقال: أسألك مرافقتك في الجنّة٢. وكان غيره يسأله ما يملأ بطنَه، أو يواريْ جلْدَه.

وانظر إلى همّة رسول الله ﷺ حين عُرِضت عليه مفاتيح كنوز الأرض فأباها. ومعلومٌ أنّه لو أخذها لأنفقها في طاعة ربِّه، فأبَتْ له تلك الهمّة العالية أن يتعلّق منها بشيءٍ ممّا سوى الله ومَحابِّه. وعُرِض عليه أن يتصرّف بالملك فأباه، واختار التّصرُّف بالعبوديّة المحضة. فلا إله إلّا الله، خالق هذه الهمّة وخالق نفسٍ تَحمِلها، وخالق هِمَمٍ لا تعدو٣ هممَ أخسِّ الحيوانات.

فصل

قال٤: (الدرجة الثانية: صفاء حالٍ، يُشاهَد به شواهدُ التحقيق، وتُذاقُ

  1. (١) تقدم عند المؤلف (ص ٣٦٠، ٤٩٥).
  2. (٢) أخرجه مسلم (٤٨٩).
  3. (٣) ش: «لا تعتد».
  4. (٤) «المنازل» (ص ٨٣).
574

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي