مدارج السالكين

طلبها وانقسام مطلوبها وانقسام طريقها، بل توحّد مطلوبها بالإخلاص، وطلبها بالصِّدق، وطريقها بالسُّلوك خلف الدّليل الذي نصبَه الله دليلًا، لا من نصبَه هو دليلًا له.

ولله الهِمم! ما أعجبَ شأنَها، وأشدَّ تفاوتَها! فهمَّةٌ متعلِّقةٌ بمن فوقَ العرش، وهمّةٌ حائمةٌ حولَ الأنتان والحُشِّ. والعامَّة تقول: قيمة كلِّ امرئٍ ما يُحسِنه١، والخاصّةُ تقول: قيمة المرء ما يطلبه، وخاصّةُ الخاصّة تقول: قيمتُه همتُه إلى مطلوبه.

وإذا أردتَ أن تعرف مراتبَ الهمم فانظر إلى همَّة ربيعة بن كعبٍ الأسلميِّ وقد قال له رسول الله ﷺ: «سَلْني»، فقال: أسألك مرافقتك في الجنّة٢. وكان غيره يسأله ما يملأ بطنَه، أو يواريْ جلْدَه.

وانظر إلى همّة رسول الله ﷺ حين عُرِضت عليه مفاتيح كنوز الأرض فأباها. ومعلومٌ أنّه لو أخذها لأنفقها في طاعة ربِّه، فأبَتْ له تلك الهمّة العالية أن يتعلّق منها بشيءٍ ممّا سوى الله ومَحابِّه. وعُرِض عليه أن يتصرّف بالملك فأباه، واختار التّصرُّف بالعبوديّة المحضة. فلا إله إلّا الله، خالق هذه الهمّة وخالق نفسٍ تَحمِلها، وخالق هِمَمٍ لا تعدو٣ هممَ أخسِّ الحيوانات.

فصل

قال٤: (الدرجة الثانية: صفاء حالٍ، يُشاهَد به شواهدُ التحقيق، وتُذاقُ

  1. (١) تقدم عند المؤلف (ص ٣٦٠، ٤٩٥).
  2. (٢) أخرجه مسلم (٤٨٩).
  3. (٣) ش: «لا تعتد».
  4. (٤) «المنازل» (ص ٨٣).
574

به حلاوةُ المناجاة، ويُنسى به الكونُ).

هذه الدّرجة إنّما كانت أعلى ممّا قبلها لأنه١ همّة حالٍ، والحال ثمرة العلم، ولا يصفو حالٌ إلّا بصفاء العلم المثمر له، وعلى حسب شَوْب العلم يكون شوبُ الحال. وإذا صفا الحال شاهد العبدُ بصفائه آثارَ الحقائق، وهي الشّواهد فيه وفي غيره، وعليه وعلى غيره، ووجد حلاوةَ المناجاة. وإذا تمكَّن في هذه الدّرجة نسي الكونَ وما فيه من المكوَّنات.

وهذه الدّرجة تختصُّ بصفاء الحال كما اختصّت الأولى بصفاء العلم.

والحال هو تكيُّف القلب وانصباغُه بحكم الواردات على اختلافها، والحال يدعو صاحبه إلى المقام الذي٢ منه جاء الوارد، كما تدعوه رائحةُ البستان الطّيِّبة إلى دخوله والمُقام فيه. فإذا كان الوارد من حضرةٍ صحيحةٍ ــ وهي حضرة الحقيقة الإلهيّة، لا الحقيقة الخياليّة الذِّهنيّة ــ شاهد السّالكُ بصفائه شواهد التّحقيق، وهي علاماته. والتّحقيق هو حكم الحقيقة، وتأثُّر القلب والرُّوح بها، والحقيقة ما تعلّق بالحقِّ المبين سبحانه. فالله هو الحقُّ، والحقيقة ما نُسِب إليه وتعلَّق به، والتّحقيق تأثُّر القلب بآثار الحقيقة. ولكلِّ حقٍّ حقيقةٌ، ولكلِّ حقيقةٍ تحقيقٌ يقوم بمشاهد الحقيقة.

قوله: (وتُذاق به حلاوةُ المناجاة)، المناجاة: مفاعلةٌ من النّجوى، وهي الخطاب في سرِّ العبد وباطنه. والشّيخ ذكر في هذه الدّرجة ثلاثة أمورٍ.

أحدها: مشاهدة شواهد التّحقيق.

  1. (١) كذا في الأصول بالتذكير.
  2. (٢) «الذي» ليست في د.
575

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي