مدارج السالكين

به حلاوةُ المناجاة، ويُنسى به الكونُ).

هذه الدّرجة إنّما كانت أعلى ممّا قبلها لأنه١ همّة حالٍ، والحال ثمرة العلم، ولا يصفو حالٌ إلّا بصفاء العلم المثمر له، وعلى حسب شَوْب العلم يكون شوبُ الحال. وإذا صفا الحال شاهد العبدُ بصفائه آثارَ الحقائق، وهي الشّواهد فيه وفي غيره، وعليه وعلى غيره، ووجد حلاوةَ المناجاة. وإذا تمكَّن في هذه الدّرجة نسي الكونَ وما فيه من المكوَّنات.

وهذه الدّرجة تختصُّ بصفاء الحال كما اختصّت الأولى بصفاء العلم.

والحال هو تكيُّف القلب وانصباغُه بحكم الواردات على اختلافها، والحال يدعو صاحبه إلى المقام الذي٢ منه جاء الوارد، كما تدعوه رائحةُ البستان الطّيِّبة إلى دخوله والمُقام فيه. فإذا كان الوارد من حضرةٍ صحيحةٍ ــ وهي حضرة الحقيقة الإلهيّة، لا الحقيقة الخياليّة الذِّهنيّة ــ شاهد السّالكُ بصفائه شواهد التّحقيق، وهي علاماته. والتّحقيق هو حكم الحقيقة، وتأثُّر القلب والرُّوح بها، والحقيقة ما تعلّق بالحقِّ المبين سبحانه. فالله هو الحقُّ، والحقيقة ما نُسِب إليه وتعلَّق به، والتّحقيق تأثُّر القلب بآثار الحقيقة. ولكلِّ حقٍّ حقيقةٌ، ولكلِّ حقيقةٍ تحقيقٌ يقوم بمشاهد الحقيقة.

قوله: (وتُذاق به حلاوةُ المناجاة)، المناجاة: مفاعلةٌ من النّجوى، وهي الخطاب في سرِّ العبد وباطنه. والشّيخ ذكر في هذه الدّرجة ثلاثة أمورٍ.

أحدها: مشاهدة شواهد التّحقيق.

  1. (١) كذا في الأصول بالتذكير.
  2. (٢) «الذي» ليست في د.
575

الثّاني: ذوق حلاوة المناجاة. فإنّه متى صَفَا له حالُه من الشّوائب خلصَتْ له حلاوتُه من مرارة الأكدار، فذاق تلك الحلاوة في حال مناجاته. فلو كان الحال مَشُوبًا مكدَّرًا لم يجد حلاوة المناجاة. والحال المستندة إلى واردٍ يُذاق به حلاوةُ المناجاة: هو من حضرة الأسماء والصِّفات، بحسب ما يصادف القلب من ظهورها وكشف معانيها.

فمن ظهر له اسم «الودود» مثلًا، وكُشِف له عن معنى هذا الاسم، ولطفه وتعلُّقه بظاهر العبد وباطنه= كان الحال الحاصل من حضرة هذا الاسم مناسبًا له. فكان حال اشتغال حبٍّ وشوقٍ ولذّة مناجاةٍ، لا أحلى منها ولا أطيبَ، بحسب استغراقه في شهود معنى هذا الاسم وحظِّه من أثره.

كأنَّ الودود إن كان بمعنى المودود كما قال البخاريُّ في «صحيحه»١: الودود الحبيب، واستغرقَ العبد في مطالعة صفات الكمال التي تدعو العباد إلى حبِّ الموصوف بها= أثمرَ له صفاءُ علمه بها وصفاءُ حاله في تعبُّده بمقتضاها ما ذكره الشّيخ من هذه الأمور الثّلاثة وغيرها.

وكذلك إن كان بمعنى الوادِّ ــ وهو المحبُّ ــ أثمر له مطالعةُ ذلك حالًا يُناسبه، فإنّه إذا شاهد بقلبه غنيًّا كريمًا جوادًا، عزيزًا قادرًا، كلُّ أحدٍ محتاجٌ إليه بالذّات، وهو غنيٌّ بالذّات عن كلِّ ما سواه، وهو مع ذلك يَوَدُّ عباده ويحبُّهم= كان له من هذا الشُّهود حالٌ صافيةٌ خالصةٌ من الشّوائب.

وكذلك سائر الأسماء والصِّفات. فصفاء الحال بحسب صفاء المعرفة بها وخلوصِها من دم التّعطيل وفَرْثِ التّمثيل، فتخرج المعرفةُ من بين ذلك

  1. (١) (١٣/ ٤٠٣ مع «الفتح»).
576

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي