مدارج السالكين

فطرةً خالصةً سائغةً للعارفين، كما يخرج اللّبن من بين فَرْثٍ ودمٍ لبنًا خالصًا سائغًا للشّاربين.

والأمر الثّالث: قوله: (ويُنْسَى به الكون)، أي ينسى الكون بما يغلب على القلب من اشتغاله بهذه الحال المذكورة. والمراد بالكون المخلوقات، أي فيشتغل بالحقِّ عن الخلق.

فصل

قال١: (الدّرجة الثّالثة: صفاء اتِّصالٍ. يُدرِج حظَّ العبوديّة في حقِّ الرُّبوبيّة، ويُغرِق٢ نهايات الخبر في بدايات العيان، ويَطوِي خسّةَ التّكاليف في عين٣ الأزل).

في هذا اللّفظ قلقٌ وسوء تعبيرٍ، يَجْبُره حسنُ حال صاحبه وصدقه وتعظيمه لله ورسوله، ولكن أبى الله أن يكون الكمال إلّا له سبحانه. ولا ريبَ أنّ بين أرباب الأحوال وأصحاب التّمكُّن تفاوت عظيم٤. وانظر إلى غلبة الحال على الكليم، لمّا شاهد آثار التّجلِّي الإلهيِّ على الجبل كيف خرَّ صَعِقًا؟ وصاحب التّمكُّن ــ صلوات الله وسلامه عليه ــ لمّا أُسري به ورأى ما رأى لم يصعَقْ ولم يخرَّ، بل ثبت فؤاده وبصره.

ومراد القوم بالاتِّصال والوصول: اتِّصال العبد بربِّه ووصوله إليه، لا

  1. (١) «المنازل» (ص ٨٤).
  2. (٢) في النسخ: «ويعرف»، والمثبت من «المنازل» و«شرح التلمساني».
  3. (٣) في «المنازل»: «عز».
  4. (٤) كذا في النسخ مرفوعًا.
577

بمعنى اتِّصال ذات العبد بذات الرّبِّ كما تتّصل الذّاتان إحداهما بالأخرى، ولا بمعنى انضمام إحدى الذّاتين إلى الأخرى والتصاقها بها. وإنّما مرادهم بالاتِّصال والوصول: إزالة النّفس والخلق من طريق المسير إلى الله.

ولا يُتَوهَّم سوى ذلك، فإنّه عين المحال. فإنّ السّالك لا يزال سائرًا إلى الله حتّى يموت، فلا ينقطع سيره إلّا بالموت. فليس في مدة الحياة وصولٌ يفرغ معه المسير وينتهي، وليس ثَمَّ اتِّصالٌ حسِّيٌّ بين ذات العبد وذات الرّبِّ. فالأوّل تعطيلٌ وإلحادٌ، والثّاني حلولٌ واتِّحادٌ. وإنّما حقيقة الأمر: تنحية النّفس والخلق عن الطّريق، فإنّ الوقوف معهما هو الانقطاع، وتنحيتهما هو الاتِّصال.

وإنما الملاحدة القائلون بوحدة الوجود، فإنّهم قالوا: العبد من أفعال الله، وأفعالُه من صفاته، وصفاتُه من ذاته١. فأنتجَ لهم تركيبُ هذا التّركيب أنّ العبد من ذات الرّبِّ تعالى.

وموضع الغلط: أنّ العبد من مفعولات الرّبِّ تعالى، لا من أفعاله القائمة بذاته. ومفعولاته آثارُ أفعاله، وأفعاله عن صفاته القائمة بذاته، فذاتُه سبحانه مستلزمةٌ لصفاته وأفعاله، ومفعولاتُه منفصلةٌ عنه. تلك مخلوقةٌ محدَثةٌ، والرّبُّ تعالى هو الخالق بذاته وصفاته وأفعاله.

فإيّاك ثمّ إيّاك والألفاظ المجملة المشتبهة التي وقع اصطلاح القوم عليها، فإنّها أصل البلاء، وهي موردٌ للصِّدِّيق والزِّنديق. فإذا سمع الضّعيفُ المعرفةِ والعلم بما لله لفظَ اتِّصالٍ وانفصالٍ، ومسامرةٍ ومكالمةٍ، وأنّه لا

  1. (١) كما في «شرح التلمساني» (ص ٤٦٥).
578

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي