مدارج السالكين

وجودَ في الحقيقة إلّا وجود الله، وأنّ وجود الكائنات خيالٌ ووهمٌ، وهو بمنزلة وجود الظِّلِّ القائم بغيره= فاسمعْ منه ما يملأ الآذانَ من حلولٍ واتِّحادٍ وشطحاتٍ.

والعارفون من القوم أطلقوا هذه الألفاظ ونحوها، وأرادوا بها معاني صحيحةً في أنفسها، فغلِطَ الغالطون في فهم ما أرادوه، فنسبوهم إلى إلحادهم وكفرهم، واتّخذوا كلماتهم المتشابهة تُرْسًا له وجُنّةً، حتّى قال قائلهم١:

ومنك بَدا حبٌّ بعزٍّ تَمازجَابنا ووصالٌ٢ كنتَ أنتَ وصلتَه
ظهرتَ لمن أبقيتَ بعد فنائهفكان بلا كونٍ لأنّك كُنْتَه

فيسمع الغِرُّ «التّمازج» فيظنُّ أنّه٣ سبحانه نفس كون العبد، فلا يشكُّ أنّ هذا هو غاية التّحقيق ونهاية الطّريق.

فنرجع إلى شرح كلامه.

قوله: (يُدرِج حظَّ العبوديّة في حقِّ الرُّبوبيّة).

المعنى الصّحيح الذي يُحمل عليه هذا الكلام: أنّ من تمكَّن في قلبه شهودُ الأسماء والصِّفات، وصفا له علمه وحاله= اندرج عمله جميعُه وأضعافُه وأضعافُ أضعافِه في حقِّ ربِّه تعالى، ورآه في جنب حقِّه أقلَّ من خَردلةٍ بالنِّسبة إلى جبال الدُّنيا، فسقطَ من قلبه اقتضاءُ حظِّه من المجازاة عليه لاحتقاره له، وقلّتِه عنده، وصغرِه في عينه.

  1. (١) البيتان بلا نسبة في «قوت القلوب» (٢/ ٥٩)، والثاني منهما فيه (٢/ ٧٢).
  2. (٢) في «القوت»: «بماء وصالٍ».
  3. (٣) ش، د: «والله» بدل «فيظن أنه».
579

قال الإمام أحمد١: حدّثنا هاشم بن القاسم، حدّثنا صالحٌ، عن أبي عمران الجَوْنيِّ، عن أبي الجَلْد أنّ الله تعالى أوحى إلى داود: يا داود، أَنذِرْ عبادي الصديقين، فلا يُعْجَبُنَّ بأنفسهم، ولا يتّكلُنَّ على أعمالهم، فإنّه ليس أحدٌ من عبادي أَنصِبُه للحساب وأُقِيمُ عليه عدلي إلّا عذَّبتُه، من غير أن أظلمه. وبَشِّر الخطّائين أنّه لا يتعاظمني ذنبٌ أن أغفره وأتجاوزَ عنه.

قال أحمد٢: وحدّثنا سيّارٌ، حدّثنا جعفرٌ، حدّثنا ثابتٌ البنانيُّ قال: تعبَّدَ رجلٌ سبعين سنةً، وكان يقول في دعائه: ربِّ اجْزِني بعملي. فمات فأُدخِلَ الجنّة، وكان فيها سبعين عامًا. فلمّا فرغ وقته قيل له: اخرُجْ، فقد استوفيتَ عملك. فقلَّب أمرَه: أيُّ شيءٍ كان في الدُّنيا أوثقَ في نفسه؟ فلم يجد شيئًا أوثقَ في نفسه من دعاء الله والرّغبة إليه. فأقبلَ يقول في دعائه: ربِّ سمعتُك ــ وأنا في الدُّنيا ــ وأنت تُقِيل العثرات، فأَقِلِ اليومَ عَثْرتي. فتُرِك في الجنّة.

قال أحمد٣: وحدّثنا هاشمٌ، حدّثنا صالحٌ، عن أبي عِمران الجَوْنيِّ، عن أبي الجَلْد قال: قال موسى: إلهي، كيف أشكرك، وأصغرُ نعمةٍ وضعتَها عندي من نِعَمك لا يُجازِيها عملي كلُّه؟ فأوحى الله إليه: يا موسى، الآنَ شكرتَني.

فهذا المعنى الصّحيح من اندراج حظِّ العبوديّة في حقِّ الرُّبوبيّة.

  1. (١) في كتاب «الزهد» (٣٧٦).
  2. (٢) في المصدر السابق (٤٩٩).
  3. (٣) في المصدر السابق (٣٤٩).
580

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي