مدارج السالكين

ومن هذا الخطاب: واعظُ الله في قلوب عباده المؤمنين، كما في "جامع التِّرمذيِّ" و"مسند أحمد"١ من حديث النَّوَّاس بن سَمْعان عن النّبيِّ ﷺ قال: "إنّ الله تعالى ضرب مثلًا صراطًا مستقيمًا، وعلى كتفَي الصِّراط سوران لهما أبوابٌ مفتَّحةٌ. وعلى الأبواب ستورٌ مرخاةٌ، وداعٍ يدعو على رأس الصِّراط، وداعٍ يدعو فوق الصِّراط. فالصِّراط المستقيم الإسلام، والسُّوران حدود الله، والأبواب المفتَّحة محارم الله. فلا يقع أحدٌ في حدٍّ من حدود الله حتّى يكشف السِّتر. والدّاعي على رأس الصِّراط كتاب الله، والدّاعي فوق الصِّراط واعظُ الله في قلب كلِّ مؤمنٍ". هذا٢ أو معناه. فهذا الواعظ في قلوب المؤمنين هو الإلهام الإلهيُّ بواسطة الملائكة.

وأمّا وقوعه بغير واسطةٍ فممَّا٣ لم يتبيَّن بعدُ، والجزمُ فيه بنفيٍ أو إثباتٍ موقوفٌ على الدّليل. والله أعلم.

  1. (١) الترمذي (٢٨٥٩) وأحمد (١٧٦٣٤، ١٧٦٣٦). وأخرجه أيضًا ابن أبي عاصم في "السنة" (١٨ - الظلال) وابن نصر في "السنة" (٩، ١٠ - غراس) والنسائي في "الكبرى" (١١١٦٩) والطحاوي في "مشكل الآثار" (٢١٤٢، ٢١٤٣) والطبراني في "مسند الشاميين" (١١٤٧) والحاكم (١/ ٧٣) من طريقين حسنَين عن جبير بن نفير عن النواس بن سمعان به. والحديث صححه الحاكم والألباني.
  2. (٢) م: "فهذا" ويبدو أنه كان كذا في ق، ل، فغيِّر في ق إلى "بهذا" كما في ج، وغيِّر في ل إلى "هذا" كما في ش. ولم يرد "هذا أو معناه" في ع.
  3. (٣) كان في الأصل: "فما"، ولا غبار عليه، ولكنه أصلح كما في النسخ الأخرى.
74

فصل

النّوع الثّاني من الخطاب المسموع: خطاب الهواتف من الجانِّ، فقد يكون المخاطِبُ جنِّيًّا مؤمنًا صالحًا، وقد يكون شيطانًا مُغْوِيًا. وهذا أيضًا نوعان:

أحدهما: أن يخاطبه خطابًا يسمعه بأذنه.

والثّاني: أن يلقي في قلبه عندما يُلِمُّ به. ومنه وعدُه وأمنيَّتُه حين يعِدُ الإنسيَّ ويمنِّيه، ويأمره وينهاه، كما قال تعالى: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ﴾١ [النساء: ١٢٠]. وقال تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة: ٢٦٨].

وللقلب من هذا الخطاب نصيبٌ، وللأذن أيضًا منه نصيبٌ، والعصمة منتفيةٌ إلّا عن الرُّسل ومجموع الأمّة.

فمن أين للمخاطَبِ أنَّ هذا الخطاب رحمانيٌّ أو ملكيٌّ؟ بأيِّ برهانٍ وبأيِّ دليلٍ؟ والشّيطانُ يقذف في النّفس وحيَه، ويُلقي في السَّمع خطابَه، فيقول المغرور المخدوع: قيل لي، وخُوطِبتُ. صدقتَ، لكنَّ الشّأن في القائل لك والمخاطِبِ! وقد قال عمر بن الخطّاب ﵁ لغَيلان بن سَلَمة ــ وهو من الصّحابة ــ لمّا طلَّق نساءه، وقسَّم ماله بين بنيه: إنِّي لأظنُّ الشّيطان ــ فيما يَسترِقُ من السَّمْع ــ سمِعَ بموتك، فقذَفه في نفسك٢.

  1. (١) في ع زيادة: ﴿وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾.
  2. (٢) أخرجه أحمد (٤٦٣١) وابن حبان (٤١٥٦) من حديث معمر عن الزهري عن سالم عن أبيه عبد الله بن عمر ﵄. قال الحافظ في "نتائج الأفكار" بعد تخريجه: "هذا موقوف صحيح"، انظر: "الفتوحات الربانية" لابن علَّان (٤/ ٢١٤).
75

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي