مدارج السالكين

ما أخبر به أهل التّواتر ــ وإن لم يَرَه ــ من البلاد والوقائع. فهذا إيمانه يجري مجرى العيان، وإيمان غيره فمحض التقليد.

قوله: (ويَطوِي خِسَّةَ التّكاليف).

ليت الشّيخ عبَّر عن هذه اللّفظة بغيرها، فوالله إنّها لأقبحُ من شَوكةٍ في العين وشَجًى في الحلق، وحاشا التّكاليف أن تُوصَف بخِسّةٍ، أو يَلحقَها خسّةٌ. وإنّما هي قرّةُ عينٍ، وسرورُ قلبٍ، وحياةُ روحٍ، صدرَ التّكليفُ بها عن حكيمٍ حميدٍ، فهي أشرفُ ما وصل إلى العبد من ربِّه، وثوابُه عليها أشرفُ ما أعطاه العبدَ.

نعم لو قال: يَطوِي ثِقَلَ التّكاليف ويُخفِّف أعباءَها ونحو ذلك كان أولى، ولولا مقامه من الإيمان والمعرفة والقيام بالأوامر لكنّا نُسِيء به الظّنّ.

والّذي يحتمل أن يُصرَف كلامه إليه وجهان:

أحدهما: أنّ الصّفاء - المذكور في هذه الدّرجة - لمّا انطوت في حكمه الوسائط والأسباب، واندرجَ فيه حظُّ العبوديّة في حقِّ الرُّبوبيّة= انطوت فيه رؤيةُ كون العبادة تكليفًا، فإنّ رؤيتها تكليفًا خِسّةٌ من الرّائي، لأنّه رآها بعين أنفته١ وقيامه بها، ولم يرها بعين الحقيقة، فإنّه لم يصل إلى مقام «فبِيْ يَسمع، وبي يُبصِر، وبي يَبْطِش، وبي يَمْشي»٢، ولو وصل إلى ذلك لرآها بعين الحقيقة. ولا خِسّةَ فيها هناك البتّةَ، فإنّ نظره قد تعدّى من قيامه بها إلى قيامها بالقيُّوم الذي قام به كلُّ شيءٍ، فكان لها وجهان:

  1. (١) بياض في ش مكان هذه الكلمة.
  2. (٢) تقدم تخريج الحديث، والكلام على هذا اللفظ (١/ ٤٠٨).
583

أحدهما: هي به خسيسةٌ. وهو وجه قيامها بالعبد وصدورها منه.

والثّاني: هي به شريفةٌ. وهو وجه كونها بالرّبِّ تعالى، أمرًا وتكوينًا وإعانةً. فالصّفاء يطويها من ذلك الوجه خاصّةً.

والمعنى الثّاني الذي يحتمله كلامه: أن يكون مراده أنّ الصّفاء يُشْهِدُه عينَ الأزل، وسَبْقَ الرّبِّ تعالى وأوّليّتَه لكلِّ شيءٍ، فينطوي في هذا المشهد أعمالُه التي عمِلَها، ويراها خسيسةً جدًّا بالنِّسبة إلى عين الأزل. فكأنّه قال: تنطوي أعمالُه، وتصير ــ بالنِّسبة إلى هذه العين ــ خسيسةً جدًّا لا تُذْكَر، بل تكون في عين الأزل هباءً منثورًا، لا حاصل له.

فإنّ الوقت الذي هو ظرف التّكليف متلاشٍ جدًّا بالنِّسبة إلى الأزل، وهو وقتٌ خسيسٌ حقيرٌ، حتّى كأنّه لا حاصلَ له، أو لا نسبةَ له إلى الأزل والأبد في مقدار الأعمال الواقعة فيه، وهي يسيرةٌ بالنِّسبة إلى مجموع ذلك الوقت، الذي هو يسيرٌ جدًّا بالنِّسبة إلى مجموع الزّمان، الذي هو يسيرٌ جدًّا بالنِّسبة إلى عينِ الأزل.

فهذا أقرب ما يُحمل عليه كلامه مع قلقه، وقد اعتراه فيه سوءُ تعبيرٍ. وكأنّه أطلق عليها الخسّة لقلّتها وخِفّتها بالنِّسبة إلى عَظمة المكلِّف بها سبحانه وما يستحقُّه. والله سبحانه أعلم.

584

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي