قال صاحب «المنازل»١: (باب السُّرور، قال الله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا﴾[يونس: ٥٨]).
تصدير الباب بهذه الآية في غاية الحسن، فإنّ الله٢ تعالى أمر عباده بالفرح بفضله ورحمته، وذلك تبَعٌ للفرح والسُّرور بصاحب الفضل والرّحمة. فإنّ من فرح بما يصل إليه من جوادٍ كريمٍ، محسنٍ، برٍّ= كان فرحُه بمن٣ أوصل ذلك إليه أولى وأحرى.
ونذكر ما في هذه الآية من المعنى. ثمّ نشرح كلام المصنِّف٤.
فقال ابن عبّاسٍ، وقتادة، ومجاهدٌ، والحسن، وغيرهم: فضل الله: الإسلام، ورحمته: القرآن٥.
فجعلوا رحمته أخصّ من فضله، فإنّ٦ فضله الخاصّ عامٌّ على أهل
(١) (ص ٨٤). د: «وقال».
(٢) ر: «والله».
(٣) سقطت من ش، وهي في ت، ر، ومستدركة بهامش د مصححًا عليها.
(٤) ت: «رحمه الله تعالى» وقد التزمها ناسخها في مواضع كثيرة، وتكفي هذه الإشارة عن التنبيه في كل موضع.
الإسلام، ورحمته بتعليم كتابه لبعضهم دون بعضٍ، فجعلهم مسلمين بفضله، وأنزل إليهم كتابه برحمته١. قال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾[القصص: ٨٦].
وقال أبو سعيدٍ الخدريُّ: فضلُ الله: القرآن، ورحمتُه: أنْ جعَلَنا من أهله٢.
قلت: يريد بذلك أن٣ هاهنا أمرين:
أحدهما: الفضل في نفسه. والثّاني: استعداد المحلِّ لقبوله، كالغيث يقع على الأرض القابلة للنّبات. فيتمُّ المقصود بالفضل، وقبول المحلِّ٤ له. والله أعلم.
والفرح لذّةٌ تقع في القلب بإدراك المحبوب ونيل المشتهى، فيتولّد من إدراكه حالةٌ تسمّى الفرح والسُّرور. كما أنّ الحزن والغمَّ مِن فَقْد المحبوب، فإذا فقَده تولّد مِن فَقْده حالةٌ تسمّى الغمّ والحزن٥.
وذكر سبحانه الأمر بالفرح بفضله وبرحمته٦ عقيب قوله: ﴿يَاأَيُّهَا
(١) «القرآن، فجعلوا ... برحمته» سقط من ش، وهو انتقال نظر.
(٢) أخرجه ابن جرير: (١٢/ ١٩٤). وأبو الشيخ وابن مردويه عن أنس كما في «الدر المنثور»: (٤/ ٣٦٧).
(٣) من ر، ت.
(٤) من قوله: «لقبوله كالغيث ..» إلى هنا سقط من ر، وهو انتقال نظر.