الإسلام، ورحمته بتعليم كتابه لبعضهم دون بعضٍ، فجعلهم مسلمين بفضله، وأنزل إليهم كتابه برحمته١. قال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾[القصص: ٨٦].
وقال أبو سعيدٍ الخدريُّ: فضلُ الله: القرآن، ورحمتُه: أنْ جعَلَنا من أهله٢.
قلت: يريد بذلك أن٣ هاهنا أمرين:
أحدهما: الفضل في نفسه. والثّاني: استعداد المحلِّ لقبوله، كالغيث يقع على الأرض القابلة للنّبات. فيتمُّ المقصود بالفضل، وقبول المحلِّ٤ له. والله أعلم.
والفرح لذّةٌ تقع في القلب بإدراك المحبوب ونيل المشتهى، فيتولّد من إدراكه حالةٌ تسمّى الفرح والسُّرور. كما أنّ الحزن والغمَّ مِن فَقْد المحبوب، فإذا فقَده تولّد مِن فَقْده حالةٌ تسمّى الغمّ والحزن٥.
وذكر سبحانه الأمر بالفرح بفضله وبرحمته٦ عقيب قوله: ﴿يَاأَيُّهَا
(١) «القرآن، فجعلوا ... برحمته» سقط من ش، وهو انتقال نظر.
(٢) أخرجه ابن جرير: (١٢/ ١٩٤). وأبو الشيخ وابن مردويه عن أنس كما في «الدر المنثور»: (٤/ ٣٦٧).
(٣) من ر، ت.
(٤) من قوله: «لقبوله كالغيث ..» إلى هنا سقط من ر، وهو انتقال نظر.
ولا شيء أحقُّ أن يُفرَح به من فضلٍ١ ورحمةٍ تتضمّن الموعظةَ وشفاءَ الصُّدور من أدوائها والهدى٢ والرّحمة. فأخبر سبحانه أنَّ ما آتى عباده من الموعظة التي هي الأمر والنهي، المقرون بالتّرغيب والتّرهيب؛ وشفاءِ الصُّدور المتضمِّن لعافيتها من داء الجهل، والظُّلمة٣، والغيِّ، والسّفَه، وهو أشدُّ ألمًا لها من أدواء البدن، ولكنّها لمّا ألِفَت هذه الأدواء لم تحسّ بألمها، وإنّما يقوى إحساسُها بها عند المفارقة للدُّنيا، فهناك يحضرها كلُّ مؤلمٍ محزنٍ؛ وما آتاها من٤ الهدى الذي يتضمّن ثَلَجَ الصَّدر٥ باليقين، وطمأنينة القلب به، وسكون النّفس إليه، وحياة الرُّوح به؛ والرحمة التي تجلب لها كلّ خيرٍ ولذّةٍ، وتدفع عنها كلّ شرٍّ ومؤلمٍ= فذلك خيرٌ مما٦ يجمع النّاسُ من أعراض الدُّنيا وزينتها، أي هذا هو الذي ينبغي أن يُفرَح به، ومن فرح به فقد فرح بأجلِّ مفروحٍ به٧، لا ما يجمع أهلُ الدُّنيا منها، فإنّه
(١) ش: «فضل الله»
(٢) ر: «بالهدى» والمعنى مستقيم بما أثبت.
(٣) د: «الظلم».
(٤) في ط: «من ربها الهدى» والزيادة ليست في النسخ ولا يحتاجها النص.