ولا شيء أحقُّ أن يُفرَح به من فضلٍ١ ورحمةٍ تتضمّن الموعظةَ وشفاءَ الصُّدور من أدوائها والهدى٢ والرّحمة. فأخبر سبحانه أنَّ ما آتى عباده من الموعظة التي هي الأمر والنهي، المقرون بالتّرغيب والتّرهيب؛ وشفاءِ الصُّدور المتضمِّن لعافيتها من داء الجهل، والظُّلمة٣، والغيِّ، والسّفَه، وهو أشدُّ ألمًا لها من أدواء البدن، ولكنّها لمّا ألِفَت هذه الأدواء لم تحسّ بألمها، وإنّما يقوى إحساسُها بها عند المفارقة للدُّنيا، فهناك يحضرها كلُّ مؤلمٍ محزنٍ؛ وما آتاها من٤ الهدى الذي يتضمّن ثَلَجَ الصَّدر٥ باليقين، وطمأنينة القلب به، وسكون النّفس إليه، وحياة الرُّوح به؛ والرحمة التي تجلب لها كلّ خيرٍ ولذّةٍ، وتدفع عنها كلّ شرٍّ ومؤلمٍ= فذلك خيرٌ مما٦ يجمع النّاسُ من أعراض الدُّنيا وزينتها، أي هذا هو الذي ينبغي أن يُفرَح به، ومن فرح به فقد فرح بأجلِّ مفروحٍ به٧، لا ما يجمع أهلُ الدُّنيا منها، فإنّه
(١) ش: «فضل الله»
(٢) ر: «بالهدى» والمعنى مستقيم بما أثبت.
(٣) د: «الظلم».
(٤) في ط: «من ربها الهدى» والزيادة ليست في النسخ ولا يحتاجها النص.
(٥) ر: «الصدور».
(٦) ط: «من كل ما».
(٧) «به» ليست في د.
ليس بموضعٍ للفرح، لأنّه عُرضة الآفات١، ووشيك الزّوال، ووخيم العاقبة، وهو كطيف٢ خيالٍ زارَ الصّبَّ في المنام، ثمّ انقضى المنامُ، وولّى الطّيفُ، وأعْقَب مرارة٣ الهجران.
وقد جاء الفرح في القرآن على نوعين؛ مطلقٌ ومقيّدٌ.
فالمطلق جاء في الذّمِّ، كقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾[القصص: ٧٦]. وقوله: ﴿إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾[هود: ١٠].