مدارج السالكين

ليس بموضعٍ للفرح، لأنّه عُرضة الآفات١، ووشيك الزّوال، ووخيم العاقبة، وهو كطيف٢ خيالٍ زارَ الصّبَّ في المنام، ثمّ انقضى المنامُ، وولّى الطّيفُ، وأعْقَب مرارة٣ الهجران.

وقد جاء الفرح في القرآن على نوعين؛ مطلقٌ ومقيّدٌ.

فالمطلق جاء في الذّمِّ، كقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦]. وقوله: ﴿إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ [هود: ١٠].

والمقيّد نوعان أيضًا: مقيّدٌ بالدُّنيا، يُنسي صاحبَه فضلَ الله ومننَه٤، فهو مذمومٌ، كقوله: ﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً﴾٥ [الأنعام: ٤٤].

والثّاني: مقيّدٌ بفضل الله وبرحمته٦. وهو نوعان أيضًا: فضلٌ ورحمةٌ بالسّبب، وفضلٌ بالمسبَّب، فالأوّل كقوله: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ﴾٧ [يونس: ٥٨]. والثّاني كقوله: ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [آل عمران: ١٧٠].

  1. (١) ر: «للآفات».
  2. (٢) ر: «طيف».
  3. (٣) ش، ر: «مزاره» وهي محتملة.
  4. (٤) ت، ر: «ومنته».
  5. (٥) ر: أكمل بقية الآية ﴿فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾.
  6. (٦) د، ت: «ورحمته».
  7. (٧) ر: أكمل بقية الآية ﴿فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا﴾.
6

فالفرح بالله وبرسوله١، وبالإيمان والسُّنّة، وبالعلم والقرآن مِن أعلى مقامات العارفين، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٤]. وقال: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [الرعد: ٣٦].

فالفرح بالعلم والإيمان والسُّنّة دليلٌ على تعظيمه عند صاحبه، ومحبّته له، وإيثاره له على غيره، فإنّ فرحَ العبد بالشّيء عند حصوله له٢ على قدر محبّته له، ورغبته فيه، فمن ليس له رغبةٌ في الشّيء لا يُفرِحه حصوله، ولا يُحْزِنه فواتُه. فالفرح تابعٌ للمحبّة والرّغبة.

والفرق بينه وبين الاستبشار: أنّ الفرح بالمحبوب بعد حصوله، والاستبشار يكون به قبل حصوله إذا كان على ثقةٍ من حصوله. ولهذا قال تعالى: ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٧٠].

والفرح صفةُ كمالٍ، ولهذا يوصف الرّبُّ تعالى بأعلى أنواعه وأكملها، كفرحِه بتوبة التّائب أعظم من فرح الواجد لراحلته التي عليها طعامه وشرابه في الأرض المَهلكة بعد فقْدِه لها واليأس من حصولها٣.

  1. (١) ت، ر: «ورسوله».
  2. (٢) من ش فقط.
  3. (٣) الحديث في ذلك في البخاري (٦٣٠٨) عن ابن مسعود، و(٦٣٠٩) عن أنس، وفي مسلم (٢٦٧٥) عن أبي هريرة ﵃.
7

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي