والمقصود أنّ الفرح أعلى أنواع نعيم القلب ولذّته وبهجته. فالفرح والسُّرور نعيمُه، والهمُّ والحزن عذابُه. والفرحُ بالشّيء فوق الرِّضا به١. فإنّ الرِّضا طمأنينةٌ وسكونٌ واستراحة٢. والفرح لذّةٌ وبهجةٌ وسرورٌ، فكلُّ فَرِحٍ راضٍ، وليس كلُّ راضٍ فرِحًا. ولهذا كان الفرح ضدّ الحزن، والرِّضا ضدّ السُّخط. والحزن يؤلم صاحبه، والسُّخط لا يؤلمه، إلّا إذا٣ كان مع العجز عن الانتقام٤.
فصل
قال صاحب «المنازل»٥: (السُّرور اسمٌ لاستبشارٍ جامعٍ، وهو أصفى٦ من الفرح، لأنّ الأفراح ربّما شابها الأحزان، ولذلك نزل القرآن باسمه في أفراح الدُّنيا في مواضع. وورد اسم٧ السُّرور في موضعين من القرآن في حال الآخرة).
السُّرور والمسرّة: مصدر سرّه سرورًا ومسرّةً. وكأنّ معنى سرّه: أثّر في أسارير وجهه. فإنّه تبرُق منه أسارير الوجه. كما قال شاعر العرب٨:
(١) «به» ليست في د.
(٢) كذا في ش، د، ت، وفي ر: «طمأنينته وسكونه وانشراحه»، وفي ط: «وانشراح».
(٣) ر، ط: «إن».
(٤) ط، ر زيادة: «والله أعلم».
(٥) (ص ٨٤).
(٦) ت: «أخص»!
(٧) ليست في ر.
(٨) البيت لأبي كبير الهذلي، ينظر شرح «أشعار الهذليين» (ص ١٠٧٤).
وإذا نظرتَ إلى أسرّة وجههبرقَتْ كبرقِ العارضِ المتهلِّل
وهذا كما يقال: «رَأَسَه» إذا أصاب رأسه، و«بَطَنَه وظَهَرَه» إذا أصاب بطنه وظهره، و«أَمَّه» إذا أصاب أمَّ رأسِه.
وأمّا الاستبشار: فهو استفعالٌ من البُشرى. والبشارة: هي أوّل خبرٍ صادقٍ سارٍّ١.
والبشرى يراد بها أمران. أحدهما: بشارة المخبر. والثّاني: سرور المخبر. قال الله تعالى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾[يونس: ٦٤]. فُسِّرت البشرى بهذا وهذا. ففي حديث عُبادة بن الصّامت وأبي الدّرداء ﵄، عن النّبيِّ ﷺ: «هي الرُّؤيا الصّالحة يراها المسلم، أو تُرى له»٢.
وقال ابن عبّاسٍ: بشرى الحياة الدُّنيا: هي عند الموت تأتيهم ملائكة الرّحمة٣ بالبشرى من الله، وفي الآخرة: عند خروج نَفْس المؤمن إذا خرجت يعرجون بها إلى الله، تُزفُّ كما تُزفُّ العروس، تُبَشّر برضوان الله٤.
وقال الحسن: هي الجنّة٥. واختاره الزّجّاج والفرّاء٦.
(١) ت: «سائر» واستظهر في الهامش أنها: «سارّ» كالمثبت.