مدارج السالكين
وإذا نظرتَ إلى أسرّة وجههبرقَتْ كبرقِ العارضِ المتهلِّل

وهذا كما يقال: «رَأَسَه» إذا أصاب رأسه، و«بَطَنَه وظَهَرَه» إذا أصاب بطنه وظهره، و«أَمَّه» إذا أصاب أمَّ رأسِه.

وأمّا الاستبشار: فهو استفعالٌ من البُشرى. والبشارة: هي أوّل خبرٍ صادقٍ سارٍّ١.

والبشرى يراد بها أمران. أحدهما: بشارة المخبر. والثّاني: سرور المخبر. قال الله تعالى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [يونس: ٦٤]. فُسِّرت البشرى بهذا وهذا. ففي حديث عُبادة بن الصّامت وأبي الدّرداء ﵄، عن النّبيِّ ﷺ: «هي الرُّؤيا الصّالحة يراها المسلم، أو تُرى له»٢.

وقال ابن عبّاسٍ: بشرى الحياة الدُّنيا: هي عند الموت تأتيهم ملائكة الرّحمة٣ بالبشرى من الله، وفي الآخرة: عند خروج نَفْس المؤمن إذا خرجت يعرجون بها إلى الله، تُزفُّ كما تُزفُّ العروس، تُبَشّر برضوان الله٤.

وقال الحسن: هي الجنّة٥. واختاره الزّجّاج والفرّاء٦.

  1. (١) ت: «سائر» واستظهر في الهامش أنها: «سارّ» كالمثبت.
  2. (٢) تقدم تخريجه.
  3. (٣) ت: «الملائكة».
  4. (٤) ذكره الواحدي في «البسيط»: (١١/ ٢٤٩ - ٢٥٠).
  5. (٥) ذكره الواحدي أيضًا: (١١/ ٢٥٠)، وينظر «الكشف والبيان»: (١١/ ٢٤٤).
  6. (٦) ينظر «معاني القرآن وإعرابه» للزجاج: (٣/ ٢٦)، و«معاني القرآن» للفراء: (١/ ٤٧١).
9

وفُسِّرت بشرى الدُّنيا بالثّناء الحسن، يجري له على ألسنة النّاس.

وكلُّ ذلك صحيحٌ، فالثّناء من البُشرى، والرُّؤيا الصّالحة من البُشرى، وتبشير الملائكة له عند الموت من البُشرى، والجنّة فأعظم١ البُشرى. قال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [البقرة: ٢٥]. وقال: ﴿وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: ٣٠].

قيل: وسمِّيت بذلك لأنّها تؤثِّر في بشرة الوجه. ولذلك كانت نوعين: بُشرى سارّةٌ تُؤثِّر فيه نَضارةً وبهجةً، وبُشرى محزنةٌ٢ تؤثِر فيه بُسورًا وعبوسًا. ولكن إذا أطلقت كانت للسُّرور. وإذا قُيِّدت كانت بحسب ما تقيّد به.

قوله: (وهو أصفى من الفرح) احتجّ٣ على ذلك بأنّ الأفراح ربّما شابها أحزانٌ٤، أي ربّما مازجها ضدُّها، بخلاف السُّرور.

فيقال: والمسرّات ربّما شابها أنكادٌ وأحزانٌ فلا فرق.

قوله: (ولذلك نزل القرآن باسمه في أفراح الدُّنيا في مواضع) يريد أنّ الربّ٥ تعالى نسب الفرحَ إلى أحوال الدُّنيا في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا

  1. (١) ر، ط: «من أعظم».
  2. (٢) ت: «تُحزنه».
  3. (٣) ر، ت، ط: «واحتجّ».
  4. (٤) ت: «أنكاد وأحزان».
  5. (٥) ر، ط: «الله».
10

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي