مدارج السالكين

أُوتُوا﴾١ [الأنعام: ٤٤]، وقوله: ﴿لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦]، وقوله: ﴿إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ [هود: ١٠].

فإنّ الدُّنيا لا تتخلّص أفراحُها مِن أحزانِها وأتراحِها البتّة، بل ما من فرحةٍ إلّا ومعها ترحةٌ سابقةٌ أو مقارنةٌ أو لاحقةٌ، ولا تتجرّد الفرحةُ، بل لا بدّ من ترحةٍ تقارنُها، ولكن قد تقوى الفرحة على الحزن فينغمر حكمُه٢ مع وجودها٣ وبالعكس.

فيقال: ونزل القرآن أيضًا بالفرح في أمور الآخرة في مواضع، كقوله: ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [آل عمران: ١٧٠]. وقوله: ﴿وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ﴾ [يونس: ٥٨] فلا فرق بينهما من هذا الوجه الذي ذكره.

قوله: (وورد اسم السُّرور في القرآن في موضعين في حال الآخرة).

يريد بهما قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ ٧ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا ٨ وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ [الانشقاق: ٧ - ٩]، والموضع الثّاني قوله٤: ﴿وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا﴾ [الإنسان: ١١].

فيقال: وورد السُّرور في أحوال الدُّنيا في موضعٍ على وجه الذّمِّ، كقوله: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ ١٠ فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا ١١ وَيَصْلَى سَعِيرًا ١٢ إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ [الانشقاق: ١٠].

  1. (١) ر: تكملة الآية «أخذناهم بغتة».
  2. (٢) ر، ط زيادة: «وألمه».
  3. (٣) د، ت: «وجوده».
  4. (٤) ليست في د.
11

فقد رأيتَ ورود كلِّ واحدٍ من الفرح والسُّرور في القرآن بالنِّسبة إلى أحوال الدُّنيا وأحوال الآخرة، فلا يظهر ما ذكرَه من التّرجيح.

بل قد يقال: التّرجيح للفرح، لأنّ الرّبّ ﵎ يوصَف به، ويُطْلَق عليه اسمه دون السُّرور، فدلّ على أنّ معناه أكمل من معنى السُّرور، وأمر١ به في قوله: ﴿وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ﴾ [يونس: ٥٨]، وأثنى على السُّعداء به في قوله: ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [آل عمران: ١٧٠].

وأمّا قوله تعالى: ﴿وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا﴾، وقوله: ﴿وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾، فعدَل إلى لفظ السُّرور لاتِّفاق رؤوس الآي. ولو أنّه ترجم البابَ ببابِ الفرَح، لكان أشدّ مطابقةً للآية التي استشهد بها، والأمر في ذلك قريبٌ، فالمقصود أمرٌ وراء ذلك.

قال٢: (وهو في هذا الباب على ثلاث درجاتٍ، الدّرجة الأولى: سرورُ ذوقٍ ذهبَ بثلاثة أحزانٍ: حزنٌ أورثَه خوفُ الانقطاع، وحزنٌ هاجَتْه٣ ظلمةُ الجهل، وحزنٌ بعثَتْه٤ وَحْشةُ التّفرُّق).

لما كان٥ السُّرور ضدَّ الحزن٦ لا يُجامِعُه كان مُذهِبًا له. ولمّا كان سببه ذوق الشّيء السّارِّ، فكلّما كان الذّوق أتمّ كان السُّرور به أكْمَل.

  1. (١) ت: «وأمر الله».
  2. (٢) (ص ٨٤).
  3. (٣) ت، ط: «هاجمته».
  4. (٤) في «المنازل»: «أغشتْه». والمؤلف صادر عن «شرح التلمساني» (٢/ ٤٦٩).
  5. (٥) «لما كان» ليست في ت، ط.
  6. (٦) ت، ط زيادة: «والحزن».
12

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي