مدارج السالكين

فقد رأيتَ ورود كلِّ واحدٍ من الفرح والسُّرور في القرآن بالنِّسبة إلى أحوال الدُّنيا وأحوال الآخرة، فلا يظهر ما ذكرَه من التّرجيح.

بل قد يقال: التّرجيح للفرح، لأنّ الرّبّ ﵎ يوصَف به، ويُطْلَق عليه اسمه دون السُّرور، فدلّ على أنّ معناه أكمل من معنى السُّرور، وأمر١ به في قوله: ﴿وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ﴾ [يونس: ٥٨]، وأثنى على السُّعداء به في قوله: ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [آل عمران: ١٧٠].

وأمّا قوله تعالى: ﴿وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا﴾، وقوله: ﴿وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾، فعدَل إلى لفظ السُّرور لاتِّفاق رؤوس الآي. ولو أنّه ترجم البابَ ببابِ الفرَح، لكان أشدّ مطابقةً للآية التي استشهد بها، والأمر في ذلك قريبٌ، فالمقصود أمرٌ وراء ذلك.

قال٢: (وهو في هذا الباب على ثلاث درجاتٍ، الدّرجة الأولى: سرورُ ذوقٍ ذهبَ بثلاثة أحزانٍ: حزنٌ أورثَه خوفُ الانقطاع، وحزنٌ هاجَتْه٣ ظلمةُ الجهل، وحزنٌ بعثَتْه٤ وَحْشةُ التّفرُّق).

لما كان٥ السُّرور ضدَّ الحزن٦ لا يُجامِعُه كان مُذهِبًا له. ولمّا كان سببه ذوق الشّيء السّارِّ، فكلّما كان الذّوق أتمّ كان السُّرور به أكْمَل.

  1. (١) ت: «وأمر الله».
  2. (٢) (ص ٨٤).
  3. (٣) ت، ط: «هاجمته».
  4. (٤) في «المنازل»: «أغشتْه». والمؤلف صادر عن «شرح التلمساني» (٢/ ٤٦٩).
  5. (٥) «لما كان» ليست في ت، ط.
  6. (٦) ت، ط زيادة: «والحزن».
12

وهذا السُّرور يُذهِب ثلاثةَ أحزانٍ.

الحزن الأوّل: حزنٌ أورثَه خوفُ الانقطاع، وهذا حزن المتخلِّفين عن رَكْب الجنة١، ووفد المحبّة، فأهل الانقطاع هم المتخلِّفون عن صحبة هذا الرّكب وهذا الوفد، وهم الذين ﴿كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ [التوبة: ٤٦] فثبّطَ عزائمَهم وهِمَمَهم أن تسير إليه وإلى جنّته، وأمَر قلوبَهم أمرًا كونيًّا قدريًّا أن تقعد مع القاعدين المتخلِّفين٢.

فلو عاينتَ٣ قلوبَهم حين أُمِرَتْ بالقعود عن مرافقة الوفد، وقد غمرَتْها الهمومُ، وعقدَتْ عليها سحائبُ البلاء، وأُحْضِرت كلّ حزنٍ وغمٍّ، وأمواجُ القلق والحسرات تتقاذف بها، وقد غابت عنها المسرّات، ونابت٤ عنها الأحزان= لعلمتَ أنّ الأبرار في هذه الدّار في نعيمٍ، وأنّ المتخلِّفين عن رُفقتهم في جحيمٍ.

وهذا الحزن يَذهَبُ به ذوقُ طعم الإيمان، فيذوق التصديق٥ طعمَ الوعد الذي وُعِد به على لسان الرّسول، فلا يعقله٦ ظنٌّ، ولا يقطعه أملٌ،

  1. (١) ت، ر، ط: «ركب المحبين».
  2. (٢) بعده في ت، ط زيادة: «عن السّعي إلى محابِّه».
  3. (٣) غير محررة في د.
  4. (٤) د: «بانت».
  5. (٥) ت، ر، ط: «فيذيق».ش، ت، ر: «الصديق»، وقد تقدم في المنازل في منزلة الذوق ص ٧٩ نحو هذه العبارة، فاستأنسنا بها في القراءة.
  6. (٦) ش، د: «يغفله»، تصحيف. وقد سبق على الصواب في كلام الهروي في منزلة الذوق.
13

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي