مدارج السالكين

ممضٌّ على فوات جمعيّة القلب على الله ولذّتها١ ونعيمها، فلو فُرِضت لذّات أهلُ الدُّنيا بأجْمَعِها حاصلةً لرجلٍ لم يكن لها نسبةٌ إلى لذّة جمعيّة القلب٢ على الله، وفرحه به، وأُنْسِه بقربه، وشوقِه إلى لقائه. وهذا أمرٌ لا يصدِّق به إلّا من ذاقه. فإنّما يصدِّقك مَن أشرَقَ فيه ما أشرقَ فيك. ولله درُّ القائل٣:

أيا صاحبي ما ترى نارَهم٤... فقال: تُرينيَ ما لا أرى

سقاك الغرام ولم يسقنيفأبصرتَ ما لم أكن مبْصِرَا

فلو لم يكن في التّفرُّق المذكور إلّا ألم الوحشة، ونكَد التّشتُّت، وغبار الشّعَث لكفى به عقوبةً، فكيف وأقلُّ عقوبته: أن يُبتلى بصحبة المنقطعين ومعاشرتهم وخدمتهم، فتصير أوقاته ــ التي هي مادَّة حياته ولا قيمة لها٥ ــ مستغرقةً في قضاء حوائجهم، ونيل أغراضهم؟!

وهذه عقوبة قلبٍ ذاقَ حلاوةَ الإقبال على الله والجمعيّةِ عليه والأنسِ به، ثمّ آثر على ذلك سواه، ورضي بطريقة بني جنسه وما هم عليه. ومَن له أدنى حياةٍ في قلبه ونورٍ٦ يستغيثُ قلبُه من وحشة هذا التّفرُّق، كما تستغيث

  1. (١) ت، ر، ط: «ولذاتها».
  2. (٢) ت، ط: «قلبه».
  3. (٣) البيتان للشريف الرضي في «ديوانه»: (١/ ٥١٦). ولفظ البيت الثاني فيه:
    دعاني الغرام ولم يدعه ... فأبصرتُ ما لم يكن مبصرا
  4. (٤) في الديوان: «أترى»، ر: «آثارهم».
  5. (٥) أي: هي أغلى من أن تكون لها قيمة.
  6. (٦) ت، ر، ط زيادة: «فإنه».
16

الحامل عند وِلادِها١.

ففي القلب شعَثٌ لا يلمُّه إلّا الإقبال على الله، وفيه وحشةٌ لا يُزيلها إلّا الأُنس به في خَلوته.

وفيه حزنٌ لا يُذهبِه إلّا السُّرور بمعرفته وصدق معاملته.

وفيه قلقٌ لا يسكِّنه إلّا الاجتماع عليه، والفرار منه إليه.

وفيه٢ نيران حسراتٍ لا يطفئها إلّا الرِّضا بأمره ونهيه وقضائه، ومعانقة الصّبر على ذلك إلى وقت لقائه.

وفيه طلبٌ شديدٌ لا يقف دون أن يكون هو وحده مطلوبه.

وفيه فاقةٌ لا يسدُّها إلّا محبّته، والإنابة إليه، ودوام ذكره، وصدق الإخلاص له، ولو أعطي الدُّنيا بما٣ فيها لم تسدّ تلك الفاقة منه أبدًا.

فالتّفرُّق يوقع وحشةَ الحجاب، وألمه أشدُّ من ألم العذاب. قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ١٥ ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ﴾ [المطففين: ١٥ - ١٦]، فاجتمع عليهم عذاب الحجاب وعذاب الجحيم.

و«الذّوق» الذي يُذهِب وحشةَ هذا التّفرُّق: هو الذّوق الذي ذكره الشّيخ في قوله: (ذوق الإرادة طعم الأنس) فلا يعْلَق به شاغلٌ٤، ولا يفسده

  1. (١) ت، ر، ط: «ولادتها».
  2. (٢) ش، د: «وفيها».
  3. (٣) ت، ر، ط: «وما».
  4. (٤) ر: «بشاغل».
17

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي