مدارج السالكين

عارضٌ، ولا تكدِّره تفرقةٌ.

فصل

قال١: (الدّرجة الثّانية: سرورُ شهودٍ، كشَفَ حجابَ العلم، وفكَّ رِقَّ التكليفِ، ونفى صَغار الاختيار).

يريد أنّ العلم حجابٌ على المعرفة، فشهودٌ كشَفَ٢ ذلك الحجاب حتَّى يفضي القلب إلى المعرفة يوجب سرورًا.

و«العلم» عند هذه الطّائفة استدلالٌ، و«المعرفة» ضروريّةٌ. فالعلم له الخبر، والمعرفة لها العيان، فالعلم عندهم حجابٌ على المعرفة، وإن كان لا يوصَل إليها إلّا بالعلم. فالعلم كالصِّوان٣ لما تحته، هو٤ حجابٌ عليه، ولا يوصَل إليه إلّا منه.

ومثال هذا: أنّك إذا رأيتَ في حومة٥ ثلجٍ ثقبًا خاليًا: استدللتَ به على أنّ تحته حيوانًا يتنفّس، فهذا علمٌ. فإذا حفرته، فشاهدت الحيوان، فهذه معرفةٌ.

قوله: (وفكّ رقّ التّكليف) عبارةٌ قلقةٌ، غير سديدةٍ. و«رقُّ التّكليف» لا

  1. (١) (ص ٨٤).
  2. (٢) «كشف» ليست في ش، د.
  3. (٣) ت، ط: «والعلم لها كالصوان ..»، ر: «بالعلم إليه كالصوان ..»
  4. (٤) كذا في ش، ت، وكتب فوق السطر حرف «و» في د، ر.
  5. (٥) في بعض النسخ المتأخرة: «كومة». والحومة: قال في القاموس (ص ١٠٩٨): «وحومةُ البحرِ والرملِ والقتالِ وغيره: معظمه، أو أشدّ موضع فيه».
18

يفكُّ١ إلى الممات. وكلّما تقدّم٢ منزلًا شاهد من رقِّ تكليفه ما لم يكن يشاهده٣ قبل، فرِقُّ التّكليف أمرٌ لازمٌ للمكلّف ما بقي في هذا العالم.

والّذي يوجّه٤ عليه كلامُه: أنّ السُّرور بالذّوق الذي أشار إليه يعتقُ العبدَ من رقِّ التّكليف، بحيث لا يعدُّه تكليفًا، بل تبقى الطّاعات غذاء لقلبه٥، وسرورًا له، وقرّة عينٍ في حقِّه، ونعيمًا لروحه. يلتذّ٦ بها، ويتنعّم بملابستها أعظم ممّا يتنعّم بملابسة الطّعام والشّراب واللّذّات الجسمانيّة. فإنّ اللّذّات الرُّوحانيّة القلبيّة أقوى وأتمُّ من اللّذّات الجسمانيّة؛ فلا يجد في أوراد العبادة كلفةً، ولا يصير تكليفًا في حقِّه.

فإنّ ما يفعله المحبُّ الصّادق، ويأتي به من٧ خدمة محبوبه: هو أسرُّ شيءٍ إليه، وألذُّه عنده، ولا يرى ذلك تكليفًا، لما في التّكليف من إلزام المكلّف بما فيه كُلفةٌ ومشقّةٌ عليه. والله سبحانه إنّما سمّى أوامره ونواهيه: وصيّةً، وعهدًا، وموعظةً، ورحمةً، ولم يطلق عليها اسم التّكليف إلّا في جانب النّفي كقوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. ووقوع الوسع بعد الاستثناء من التّكليف لا يوجب وقوع الاسم عليه مطلقًا. فهذا

  1. (١) ر: «ينفك».
  2. (٢) ت، ر، ط زيادة: «العبد».
  3. (٣) ت، ر، ط: «شاهده من».
  4. (٤) ت، ر، ط: «يتوجه».
  5. (٥) ش، د: «القلب». والمثبت من ت، ر، وهو أنسب للسياق.
  6. (٦) ت، ر، ط: «يتلذذ».
  7. (٧) ت، ر، ط: «في».
19

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي