مدارج السالكين

يفكُّ١ إلى الممات. وكلّما تقدّم٢ منزلًا شاهد من رقِّ تكليفه ما لم يكن يشاهده٣ قبل، فرِقُّ التّكليف أمرٌ لازمٌ للمكلّف ما بقي في هذا العالم.

والّذي يوجّه٤ عليه كلامُه: أنّ السُّرور بالذّوق الذي أشار إليه يعتقُ العبدَ من رقِّ التّكليف، بحيث لا يعدُّه تكليفًا، بل تبقى الطّاعات غذاء لقلبه٥، وسرورًا له، وقرّة عينٍ في حقِّه، ونعيمًا لروحه. يلتذّ٦ بها، ويتنعّم بملابستها أعظم ممّا يتنعّم بملابسة الطّعام والشّراب واللّذّات الجسمانيّة. فإنّ اللّذّات الرُّوحانيّة القلبيّة أقوى وأتمُّ من اللّذّات الجسمانيّة؛ فلا يجد في أوراد العبادة كلفةً، ولا يصير تكليفًا في حقِّه.

فإنّ ما يفعله المحبُّ الصّادق، ويأتي به من٧ خدمة محبوبه: هو أسرُّ شيءٍ إليه، وألذُّه عنده، ولا يرى ذلك تكليفًا، لما في التّكليف من إلزام المكلّف بما فيه كُلفةٌ ومشقّةٌ عليه. والله سبحانه إنّما سمّى أوامره ونواهيه: وصيّةً، وعهدًا، وموعظةً، ورحمةً، ولم يطلق عليها اسم التّكليف إلّا في جانب النّفي كقوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. ووقوع الوسع بعد الاستثناء من التّكليف لا يوجب وقوع الاسم عليه مطلقًا. فهذا

  1. (١) ر: «ينفك».
  2. (٢) ت، ر، ط زيادة: «العبد».
  3. (٣) ت، ر، ط: «شاهده من».
  4. (٤) ت، ر، ط: «يتوجه».
  5. (٥) ش، د: «القلب». والمثبت من ت، ر، وهو أنسب للسياق.
  6. (٦) ت، ر، ط: «يتلذذ».
  7. (٧) ت، ر، ط: «في».
19

أقرب ما يؤوّل به كلامه.

على أنّ للملحد١ هاهنا مجالًا، وهو أنّ هذه الحال إنّما هي لأقوامٍ انتقلت عباداتُهم من ظواهرهم إلى بواطنهم، وانتقل حكم أورادهم إلى وارداتهم، فاستغنوا بالواردات عن الأوراد، وبالحقائق عن الرُّسوم، وبالمعاني عن الصُّور، فخلصوا من رقِّ التّكليف المختصِّ بالعلم، وقاموا بالحقيقة التي يقتضيها الحكم.

وهكذا الألفاظ المجملة عرضةٌ للمحقِّ والمبطل.

قوله: (ونفى صَغار الاختيار) يريد به أنّ العبد متى كان مربوطًا باختياراته، محبوسًا في سجن إراداته، فهو في ذلٍّ وصَغارٍ، فإذا وصل إلى هذه الدّرجة انتفى عنه صَغار الاختيار، وبقي من جملة الأحرار.

فيا لها عبوديّة أوجبت حرِّيّةً، وحرِّيّة كمّلت عبوديّةً! فيصير واقفًا مع ما يختار الله له، لا مع ما يختاره هو لنفسه. بل يصير مع الله بمنزلة من لا اختيار له البتّة. فمن كان محجوبًا بالعلم عن المعرفة، نازعَتْه اختياراتُه ونازعها، فهو معها في ذلٍّ وصَغارٍ. ومتى أفضى إلى المعرفة، وكُشِف له عن حجابها شهدَ٢ البلاءَ نعيمًا، والمنعَ عطاءً، والذُّلّ عزًّا، والفقرَ غنًى. فانقاد باطنه لأحكام المعرفة، وظاهره لأحكام العلم.

على أنّ للملحد٣ هاهنا مجالًا، قد جال فيه هو وطائفتُه فقال: «هذا

  1. (١) يعني العفيف التلمساني في شرح «منازل السائرين» (ص ٤٦٩).
  2. (٢) ر، ط: «شاهد».
  3. (٣) يعني العفيف التلمساني في شرح «منازل السائرين» (ص ٤٧٠).
20

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي