مدارج السالكين

فمَن يأمنُ القُرَّاءُ بعدَك يا شَهْرُ١!

فصل

النوع الثالث: خطابٌ خياليٌّ، تكون بدايتُه من النّفس، وعودُه إليها، فيثق بأنه٢ من خارجٍ، وإنّما هو من نفسه، منها بدأ وإليها يعود!

وهذا كثيرًا٣ ما يعرض للسّالك، فيغلط فيه، ويعتقد أنّه خطابٌ من الله ﷿، كلَّمه به منه إليه. وسببُ غلطه أنَّ اللّطيفة المدركة من الإنسان إذا صفَت من الرِّياضة، وانقطعت عُلَقُها٤ من الشّواغل الكثيفة، صار الحكمُ لها، بحكمِ استيلاءِ الرُّوح والقلب على البدن ومصيرِ الحكم لهما. فتنصرف عنايةُ النّفس والقلب إلى تجريد المعاني التي هي متّصلةٌ بهما، وتشتدُّ عناية الرُّوح بها، وتصير في محلِّ تلك العلائق والشّواغل، فتملأ القلبَ، فتصرف٥ تلك المعاني إلى النطق٦ والخطاب القلبيِّ الرُّوحيِّ بحكم

  1. (١) يعني: شهر بن حَوشَب. وصدر البيت:
    لقد باع شهرٌ دينَه بخريطة
    روي أن شهرًا كان على خزائن يزيد بن المهلَّب، فرُفِع عليه بأنه أخذ خريطة. فقال القطامي الكلبي ــ ويقال: سنان بن مكمل النميري ــ هذا الشعر. وضرب المثل بخريطة شهر. انظر: "تاريخ الطبري" (٦/ ٥٣٨ - ٥٣٩)، و"المعرفة والتاريخ" (٢/ ٩٨)، و"ثمار القلوب" (ص ١٦٩). وانظر: "سير أعلام النبلاء" (٤/ ٣٧٥).
  2. (٢) ع: "فيتوهَّمه". وغيِّر في ل إلى: "فيتوهم أنه".
  3. (٣) ل، ش: "كثير". وفي ج: "كثير مما يعرض".
  4. (٤) ضبطت العين في الأصل وع بالضم.
  5. (٥) ش: "فتنصرف"، وأشير إلى هذه النسخة في هامش م.
  6. (٦) ع: "المنطق".
76

العادة. ويتّفق تجرُّدُ الرُّوح، فتَشَكَّلُ١ تلك المعاني للقوّة السّامعة بشكل الأصوات المسموعة، وللقوّة الباصرة بشكل الأشخاص المرئيّة. فيرى٢ صورها، ويسمع الخطاب، وكلُّه في نفسه، ليس في الخارج منه شيءٌ. ويحلف أنّه رأى وسمع؛ وصدَق، لكن رأى وسمع في الخارج، أو في نفسه؟ ويتّفق ضعفُ التّمييز، وقلّةُ العلم، واستيلاءُ تلك المعاني على الرُّوح، وتجرُّدُها عن الشّواغل.

فهذه الوجوه الثّلاثة هي وجوه الخطاب، فلا يُسمَعُ غيرها، فإنّما هو٣ غرورٌ وخدعٌ وتلبيسٌ. وهذا الموضع مقطع القوم٤، وهو من أجلِّ المواضع لمن حقَّقه وفَهِمَه. والله الموفِّق للصّواب.

فصل

قال٥: "الدرجة الثانية: إلهامٌ يقع عيانًا. وعلامة صحّته أنّه لا يخرِق سِترًا، ولا يجاوز حدًّا، ولا يخطئ أبدًا".

الفرق بين هذا وبين الإلهام في الدّرجة الأولى: أنّ ذلك علمٌ شبيهٌ بالضّروريِّ الذي لا يمكن دفعه عن القلب، وهذا معاينةٌ ومكاشفةٌ. فهو٦

  1. (١) ش: "فتُشَكِّل".
  2. (٢) ما عدا ع: "فترى". و"يسمع" فيما يأتي بإهمال أوله في ع، وفي غيرها: "تسمع".
  3. (٣) ع: "تسمع ... هي".
  4. (٤) أثبت الفقي: "مقطع القول"، وما ورد في النسخ صواب. انظر: (٢/ ٤٨٣).
  5. (٥) "المنازل" (ص ٦٦). وفي هامش الأصل بإزاء هذا السطر: "بلغ قراءة ومقابلة على مصنفه فسح الله في مدَّته"، وهذا أول موضع ورد فيه البلاغ المذكور.
  6. (٦) ما عدا ع: "وهو".
77

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي