يوجب الانقياد لأحكام المعرفة، والرّاحة١ من أحكام العلم. وقد قيل: إنّ العالم يُسْعِطك الخلَّ والخردل، والعارف يُنْشقك المسكَ والعنبر».
قال: «ومعنى هذا أنّك مع العالِم في تعبٍ، ومع العارف في راحةٍ، لأنّ العارفَ يبسطُ عُذرَ العوالم والخلائق، والعالم يلوم. وقد قيل: مَن نظَرَ إلى النّاس بعين العلم مقَتَهم، ومن نظرَهم٢ بعين الحقيقة عذَرَهم».
فانظر ما تضمّنه هذا الكلام ــ الذي ملمسه ناعمٌ، وسُمُّه٣ قاتلٌ ــ مِن الانحلال عن الدِّين، والرّاحة٤ من أحكام العبوديّة، وعذر٥ اليهود والنّصارى، وعبّاد الأوثان والظّلَمة والفَجَرة، وأنّ أحكام الأمر والنّهي ــ الواردَين على ألسنة الرُّسل ــ للقلوب بمنزلة مَن يُسعَط٦ الخلَّ والخردل، وأنّ شهود الحقيقة الكونيّة الشّاملة للخلائق، والوقوف معها، والانقياد لحكمها: بمنزلة تنشيق المسك والعنبر.
فلْيَهْن الكفّارَ والفجّار والفسّاق انتشاق هذا المسك والعنبر، إذا شهدوا هذه الحقيقة وانقادوا لحكمها. ويا رحمةَ الأبرار المُحكِّمين لما جاء به الرّسولُ مِن كثرة سُعوطهم بالخلِّ والخردل!
فإنّ قوله: هذا يجوز وهذا لا يجوز، وهذا حلالٌ وهذا حرامٌ، وهذا
يُرضي الله وهذا يُسخط الله= خلٌّ وخردلٌ عند هؤلاء الملاحدة. وإلّا فالحقيقة تُشْهِدُك الأمرَ بخلاف ذلك، ولذلك إذا نظرتَ عندهم إلى العالَم بعين الحقيقة عذرتَ الجميع، فتعذر مَن لامَه الله ورسولُه أعظم الملامة١.
ويا لله العجب! إذا كانوا معذورين في الحقيقة، فكيف يعذِّب الله سبحانه المعذورَ ويذيقه أشدّ العذاب؟ وهلّا٢ كان الغنيُّ الرّحيم أولى بعذره من هؤلاء؟
نعم، العالم يلومُ بأمر الله، والعارف٣ يرحم بقدَر الله، ولا يتنافى عنده اللّوم والرّحمة. ومِن رحمته: عقوبة مَن أمَر الله بعقوبته، فذلك رحمةٌ له وللأمّة، وتركُ عقوبته زيادةٌ في أذاه وأذى غيره.
وأنتَ مع العالم في تعبٍ يُعْقِبُ كلّ الرّاحة، ومع عارف هؤلاء في راحةٍ تعقب كلّ تعبٍ وألمٍ٤، كما ذكر الإمام أحمد في «كتاب الزُّهد»٥ له: أنّ
(١) العبارة في ط باختلاف وزيادة: «عندهم إلى الخلق ... من توعّده الله ورسولُه أعظم الوعيد، وتهدّدَه أعظم التّهديد».
(٢) ش، د: «وهذا»! والمثبت من ر، ت.
(٣) ط: «العلم الناصح .. والعارف الصادق».
(٤) العبارة في ط بزيادات ميزتها باللون الداكن: «ومع عارفِ هؤلاء الملاحدة في راحة وهمية تعقب كل تعب وخيبة وألم».
(٥) ليس في المطبوع من الزهد بهذا اللفظ، وعزاه السيوطي في «الدر المنثور»: (٣/ ٥٦٢) لأحمد: عن وهب قال: قال عيسى للحواريين: بقدر ما تنصبون ههنا تستريحون ههنا [كذا ولعلها هنالك] وبقدر ما تستريحون ههنا تنصبون ههنا [كذا ولعلها هنالك]. وأخرج أحمد في «الزهد» (ص ٩٤) من طريق عبد الله بن دينار البهراني قال: قال عيسى ابن مريم ﵇ للحواريين: عليكم بخبز الشعير واخرجوا من الدنيا سالمين آمنين، بحقٍّ أقول لكم: إن حلاوة الدنيا مرارة الآخرة، وإن مرارة في الدنيا حلاوة في الآخرة.