مدارج السالكين

يُرضي الله وهذا يُسخط الله= خلٌّ وخردلٌ عند هؤلاء الملاحدة. وإلّا فالحقيقة تُشْهِدُك الأمرَ بخلاف ذلك، ولذلك إذا نظرتَ عندهم إلى العالَم بعين الحقيقة عذرتَ الجميع، فتعذر مَن لامَه الله ورسولُه أعظم الملامة١.

ويا لله العجب! إذا كانوا معذورين في الحقيقة، فكيف يعذِّب الله سبحانه المعذورَ ويذيقه أشدّ العذاب؟ وهلّا٢ كان الغنيُّ الرّحيم أولى بعذره من هؤلاء؟

نعم، العالم يلومُ بأمر الله، والعارف٣ يرحم بقدَر الله، ولا يتنافى عنده اللّوم والرّحمة. ومِن رحمته: عقوبة مَن أمَر الله بعقوبته، فذلك رحمةٌ له وللأمّة، وتركُ عقوبته زيادةٌ في أذاه وأذى غيره.

وأنتَ مع العالم في تعبٍ يُعْقِبُ كلّ الرّاحة، ومع عارف هؤلاء في راحةٍ تعقب كلّ تعبٍ وألمٍ٤، كما ذكر الإمام أحمد في «كتاب الزُّهد»٥ له: أنّ

  1. (١) العبارة في ط باختلاف وزيادة: «عندهم إلى الخلق ... من توعّده الله ورسولُه أعظم الوعيد، وتهدّدَه أعظم التّهديد».
  2. (٢) ش، د: «وهذا»! والمثبت من ر، ت.
  3. (٣) ط: «العلم الناصح .. والعارف الصادق».
  4. (٤) العبارة في ط بزيادات ميزتها باللون الداكن: «ومع عارفِ هؤلاء الملاحدة في راحة وهمية تعقب كل تعب وخيبة وألم».
  5. (٥) ليس في المطبوع من الزهد بهذا اللفظ، وعزاه السيوطي في «الدر المنثور»: (٣/ ٥٦٢) لأحمد: عن وهب قال: قال عيسى للحواريين: بقدر ما تنصبون ههنا تستريحون ههنا [كذا ولعلها هنالك] وبقدر ما تستريحون ههنا تنصبون ههنا [كذا ولعلها هنالك].
    وأخرج أحمد في «الزهد» (ص ٩٤) من طريق عبد الله بن دينار البهراني قال: قال عيسى ابن مريم ﵇ للحواريين: عليكم بخبز الشعير واخرجوا من الدنيا سالمين آمنين، بحقٍّ أقول لكم: إن حلاوة الدنيا مرارة الآخرة، وإن مرارة في الدنيا حلاوة في الآخرة.
22

المسيح كان يقول: على قدر ما تتعبون ههنا١ تستريحون هنالك، وعلى قدر ما تستريحون ههنا تتعبون هنالك.

فالعالِمُ يحذِّرك ويمنعك الوقوف حتّى تبلغ المأمَن، وعارِفُ الملاحدةِ يُريحك٢ مِن كدِّ السير٣ ومؤنة السّفر، حتّى تؤخَذ في الطّريق.

فصل

قال٤: (الدّرجة الثّالثة: سرورُ سماع الإجابة، وهو سرورٌ يمحو آثار الوَحْشة، ويقرع بابَ المشاهدة، ويُضحِك الرُّوح).

قيّد الشّيخُ السّماع بكونه سماع إجابةٍ٥، فإنّه السّماعُ المنتفَعُ به، لا مجرّد سماع الإدراك، فإنّه مشتركٌ بين المجيب والمعرض، وبه تقومُ الحجّةُ وينقطع العذر. ولهذا قال٦ أصحابُه: ﴿سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ [البقرة: ٩٣].

و٧ قال النّبيُّ ﷺ لليهوديِّ الذي سأله عن أمورٍ من الغيب: «ينفعك إن

  1. (١) د: «هنا».
  2. (٢) ط: «يوهمك الراحة»
  3. (٣) ر: «المسير».
  4. (٤) «المنازل» (ص ٨٥).
  5. (٥) د: «الإجابة».
  6. (٦) ط: «قال الله عن».
  7. (٧) في هامش د لحق: «ولهذا» مصححًا عليها.
23

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي