مدارج السالكين

وأيضًا: فإنّه يبقى على أهل الدّرجة الثّانية آثارٌ، وهم أهل كشف حجاب العلم. فإنّه إذا كُشِف عنهم حجاب العلم، وأفضوا إلى المعرفة بقيت عليهم بقايا من آثار ذلك الحجاب، فإذا حصلوا في هذه الدّرجة زالت تلك البقايا.

وقد يُوجّه كلامُه على معنًى آخر، وهو أنّه إذا دعا ربّه سبحانه، فسمع ربُّه دعاءَه سماعَ إجابةٍ، وأعطاه ما سأله، على حسب مراده ومطلبه، أو أعطاه خيرًا منه١ = حصَل له بذلك سرورٌ يمحو مِن قلبه آثار ما كان يجده من وَحشة البُعد، فإنّ للعطاء والإجابة سرورًا وأُنْسًا وحلاوةً، وللمنع وحشةً ومرارةً. فإذا تكرّر منه الدُّعاء، وتكرّر من ربِّه سماعُ إجابته لدعائه= محا عنه آثارَ الوحشة، وأبْدَله بها أنسًا وحلاوةً.

قوله: (ويقرع٢ باب المشاهدة). يريد ــ والله أعلم ــ مشاهدة حضرة الجمع التي يشمِّر إليها السّالكون عنده، وإلّا فمشاهدة الفضل والمنّة قد سبقت في الدّرجتين الأولتين، وانتقل المُشاهِد لذلك إلى ما هو أعلى منه، وهو مشاهدة الحضرة المذكورة.

قوله: (ويُضحِك الرُّوح) يعني: أنّ سماعَ الإجابة يُضحك الرُّوحَ لسرورها بما حصل لها من ذلك السّماع. وإنّما خصّ الرُّوحَ بالضّحك ليُخرجَ به سرورًا يُضحك النّفسَ والعقلَ والقلب، فإنّ ذلك يكون قبل رفع الحجاب الذي أشار إليه، إذ محلُّه النّفس، فإذا ارتفع ومحا الشُّهود رسم النّفس بالكلِّيّة: كان الإدراك حينئذٍ بالرُّوح، فيُضحكها السُّرور.

  1. (١) د: «أو ما سأله».
  2. (٢) ش: «ويعرج».
25

وهذا مبنيٌّ على قواعد القوم في الفرق بين أحكام النّفس والقلب والرُّوح١.

و«الفتح» عندهم نوعان: فتحٌ قلبيٌّ، وفتحٌ روحيٌّ. فالفتح القلبيُّ يجمعه على الله ويلمُّ شعَثَه، والفتح الرُّوحيُّ يُفنيه٢ عنه ويجرِّده منه، وبالله التّوفيق.

  1. (١) ينظر «إحياء علوم الدين»: (٣/ ٣ - ٥)، وكلام شيخ الإسلام ابن تيمية عليها في «الرد على الشاذلي» (ص ١٧٠ - ١٧٧).
  2. (٢) ط: «يغنيه».
26

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي