وهذا مبنيٌّ على قواعد القوم في الفرق بين أحكام النّفس والقلب والرُّوح١.
و«الفتح» عندهم نوعان: فتحٌ قلبيٌّ، وفتحٌ روحيٌّ. فالفتح القلبيُّ يجمعه على الله ويلمُّ شعَثَه، والفتح الرُّوحيُّ يُفنيه٢ عنه ويجرِّده منه، وبالله التّوفيق.
✽ ✽ ✽
(١) ينظر «إحياء علوم الدين»: (٣/ ٣ - ٥)، وكلام شيخ الإسلام ابن تيمية عليها في «الرد على الشاذلي» (ص ١٧٠ - ١٧٧).
(٢) ط: «يغنيه».
فصل
ومنها منزلة١ السِّرِّ.
قال صاحب «المنازل»٢: (باب السِّرِّ، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾[هود: ٣١] أصحاب السِّرِّ: هم الأخفياء الذين ورد فيهم الخبر).
أمّا استشهاده بالآية، فوجهه: أنّ٣ أتباع الرُّسل الذين صدّقوهم، وآثروا الله والدّار الآخرة على قومهم وأصحابهم، أودع الله قلوبَهم سرًّا مِن أسرار معرفته ومحبّته والإيمان به خفي على أعداء الرُّسل، فنظروا إلى ظواهرهم، وعَمُوا عن بواطنهم، فازْدَروهم واحتقروهم، وقالوا للرّسول: اطرد هؤلاء عنك، حتّى نأتيك ونسمع منك٤، وقالوا: ﴿أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا﴾[الأنعام: ٥٣]، فقال نوحٌ لقومه: ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ﴾[هود: ٣١].
قال الزجَّاج٥: المعنى إن كنتم تزعمون أنّهم اتّبعوني في بادي الرّأي
(١) ش: «منزل».
(٢) (ص ٨٥).
(٣) من ت، وليست في باقي النسخ.
(٤) أخرجه مسلم (٢٤١٣) من حديث سعد بن أبي وقاص بنحوه، وليس فيه «حتى نأتيك ونسمع منك».
(٥) في «معاني القرآن» (٣/ ٤٩)، والمؤلف صادر عن «البسيط» (١١/ ٤٠٦).