مدارج السالكين

فصل

ومنها منزلة١ السِّرِّ.

قال صاحب «المنازل»٢: (باب السِّرِّ، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [هود: ٣١] أصحاب السِّرِّ: هم الأخفياء الذين ورد فيهم الخبر).

أمّا استشهاده بالآية، فوجهه: أنّ٣ أتباع الرُّسل الذين صدّقوهم، وآثروا الله والدّار الآخرة على قومهم وأصحابهم، أودع الله قلوبَهم سرًّا مِن أسرار معرفته ومحبّته والإيمان به خفي على أعداء الرُّسل، فنظروا إلى ظواهرهم، وعَمُوا عن بواطنهم، فازْدَروهم واحتقروهم، وقالوا للرّسول: اطرد هؤلاء عنك، حتّى نأتيك ونسمع منك٤، وقالوا: ﴿أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا﴾ [الأنعام: ٥٣]، فقال نوحٌ لقومه: ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ﴾ [هود: ٣١].

قال الزجَّاج٥: المعنى إن كنتم تزعمون أنّهم اتّبعوني في بادي الرّأي

  1. (١) ش: «منزل».
  2. (٢) (ص ٨٥).
  3. (٣) من ت، وليست في باقي النسخ.
  4. (٤) أخرجه مسلم (٢٤١٣) من حديث سعد بن أبي وقاص بنحوه، وليس فيه «حتى نأتيك ونسمع منك».
  5. (٥) في «معاني القرآن» (٣/ ٤٩)، والمؤلف صادر عن «البسيط» (١١/ ٤٠٦).
27

وظاهره، فليس عليّ أن أطّلع على ما في نفوسهم، فإذا رأيتُ مَن يوحِّد الله عملتُ على ظاهره، ورددتُ عِلمَ١ ما في نفوسهم إلى الله. وهذا معنًى حسنٌ.

والّذي يظهر من الآية: أنّ الله يعلم٢ بما في أنفسهم، إذ أهّلهم لقبول دينه وتوحيده، وتصديق رسله، فالله سبحانه حكيمٌ٣، يضع العطاءَ في مواضعه، وتكون هذه الآية مثل قوله: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: ٥٣].

فإنّهم أنكروا أن يكون الله سبحانه أهّلهم للهدى والحقِّ، وحرَمه رؤساءَ الكفّار وأهل العزّة منهم والثّروة، كأنّهم استدلُّوا بعطاء الدُّنيا على عطاء الآخرة، فأخبر سبحانه أنّه أعْلَم بمَن يؤهِّله لذلك لسرٍّ عنده؛ من معرفة قدر النِّعمة، ورؤيتها من مجرّد فضل المنعم، ومحبّته وشكره عليها. وليس كلُّ أحدٍ عنده هذا السِّرُّ، فلا يؤهَّل٤ لهذا العطاء.

قوله: (أصحاب السِّرِّ هم الأخفياء الذين ورد فيهم الخبر) قد يريد به حديثَ سعد بن أبي وقّاصٍ، حيث قال٥ ابنه: أنتَ هاهنا والنّاس ينازعون٦ في الإمارة؟ فقال: إنِّي سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: «إنّ الله يحبُّ

  1. (١) ش، د: «على».
  2. (٢) د، ت: «أعلم»، ر: «يعلم ما».
  3. (٣) ط: «عليم حكيم».
  4. (٤) ط زيادة: «كل أحد».
  5. (٥) ت، ر: «قال له».
  6. (٦) ت، ر: «يتنازعون».
28

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي