مدارج السالكين

وظاهره، فليس عليّ أن أطّلع على ما في نفوسهم، فإذا رأيتُ مَن يوحِّد الله عملتُ على ظاهره، ورددتُ عِلمَ١ ما في نفوسهم إلى الله. وهذا معنًى حسنٌ.

والّذي يظهر من الآية: أنّ الله يعلم٢ بما في أنفسهم، إذ أهّلهم لقبول دينه وتوحيده، وتصديق رسله، فالله سبحانه حكيمٌ٣، يضع العطاءَ في مواضعه، وتكون هذه الآية مثل قوله: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: ٥٣].

فإنّهم أنكروا أن يكون الله سبحانه أهّلهم للهدى والحقِّ، وحرَمه رؤساءَ الكفّار وأهل العزّة منهم والثّروة، كأنّهم استدلُّوا بعطاء الدُّنيا على عطاء الآخرة، فأخبر سبحانه أنّه أعْلَم بمَن يؤهِّله لذلك لسرٍّ عنده؛ من معرفة قدر النِّعمة، ورؤيتها من مجرّد فضل المنعم، ومحبّته وشكره عليها. وليس كلُّ أحدٍ عنده هذا السِّرُّ، فلا يؤهَّل٤ لهذا العطاء.

قوله: (أصحاب السِّرِّ هم الأخفياء الذين ورد فيهم الخبر) قد يريد به حديثَ سعد بن أبي وقّاصٍ، حيث قال٥ ابنه: أنتَ هاهنا والنّاس ينازعون٦ في الإمارة؟ فقال: إنِّي سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: «إنّ الله يحبُّ

  1. (١) ش، د: «على».
  2. (٢) د، ت: «أعلم»، ر: «يعلم ما».
  3. (٣) ط: «عليم حكيم».
  4. (٤) ط زيادة: «كل أحد».
  5. (٥) ت، ر: «قال له».
  6. (٦) ت، ر: «يتنازعون».
28

العبدَ التّقيَّ الغنيَّ الخفيّ»١.

وقد يريد به قولَه ﷺ: «ربّ أشعثَ أغبرَ مدفوعٍ بالأبواب لا يُؤبَه له، لو أقسم على الله لأبَرّه»٢.

وقولَه في الحديث الآخر وقد مرّ به رجلٌ فقال: ما تقولون في هذا؟ فقالوا: هذا حريٌّ إن شفَع أن يُشَفّع، وإن خطَب أن يُنكَح، وإن قال أن يُسمع لقوله. ثمّ مرّ به آخر فقال: ما تقولون في هذا؟ فقالوا: هذا حريٌّ إن شفَع ألّا يُشفّع، وإن خطَب: أن لا يُنكَح، وإن قال: لم٣ يُسمع لقوله. فقال النبيُّ ﷺ: «هذا خيرٌ مِن ملء الأرض مِثل هذا»٤.

فصل

قال٥: (وهم على ثلاث٦ طبقاتٍ، الطّبقة الأولى: طائفةٌ علَت هممُهم، وصفَت قصودُهم، وصحّ سلوكُهم، ولم يوقَف لهم على رسمٍ، ولم يُنسبوا إلى اسمٍ، ولم تُشِرْ إليهم الأصابع٧. أولئك ذخائر الله حيث كانوا).

ذكر لهم ثلاثَ صفاتٍ ثبوتيَّةٍ، وثلاثًا٨ سلبيّةً.

  1. (١) أخرجه مسلم (٢٩٦٥).
  2. (٢) أخرجه مسلم (٢٦٢٢) من حديث أبي هريرة ﵁.
  3. (٣) ت، ر: «أن لا».
  4. (٤) أخرجه البخاري (٥٠٩١) من حديث سهل بن سعد ﵁.
  5. (٥) «المنازل» (ص ٨٥).
  6. (٦) د: «وهم ثلاث».
  7. (٧) د، ر: «يشر إليهم بالأصابع».
  8. (٨) ش، د: «ثلاثة»، ت: «ثلاث».
29

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي