مدارج السالكين

العبدَ التّقيَّ الغنيَّ الخفيّ»١.

وقد يريد به قولَه ﷺ: «ربّ أشعثَ أغبرَ مدفوعٍ بالأبواب لا يُؤبَه له، لو أقسم على الله لأبَرّه»٢.

وقولَه في الحديث الآخر وقد مرّ به رجلٌ فقال: ما تقولون في هذا؟ فقالوا: هذا حريٌّ إن شفَع أن يُشَفّع، وإن خطَب أن يُنكَح، وإن قال أن يُسمع لقوله. ثمّ مرّ به آخر فقال: ما تقولون في هذا؟ فقالوا: هذا حريٌّ إن شفَع ألّا يُشفّع، وإن خطَب: أن لا يُنكَح، وإن قال: لم٣ يُسمع لقوله. فقال النبيُّ ﷺ: «هذا خيرٌ مِن ملء الأرض مِثل هذا»٤.

فصل

قال٥: (وهم على ثلاث٦ طبقاتٍ، الطّبقة الأولى: طائفةٌ علَت هممُهم، وصفَت قصودُهم، وصحّ سلوكُهم، ولم يوقَف لهم على رسمٍ، ولم يُنسبوا إلى اسمٍ، ولم تُشِرْ إليهم الأصابع٧. أولئك ذخائر الله حيث كانوا).

ذكر لهم ثلاثَ صفاتٍ ثبوتيَّةٍ، وثلاثًا٨ سلبيّةً.

  1. (١) أخرجه مسلم (٢٩٦٥).
  2. (٢) أخرجه مسلم (٢٦٢٢) من حديث أبي هريرة ﵁.
  3. (٣) ت، ر: «أن لا».
  4. (٤) أخرجه البخاري (٥٠٩١) من حديث سهل بن سعد ﵁.
  5. (٥) «المنازل» (ص ٨٥).
  6. (٦) د: «وهم ثلاث».
  7. (٧) د، ر: «يشر إليهم بالأصابع».
  8. (٨) ش، د: «ثلاثة»، ت: «ثلاث».
29

الأولى: علوُّ هممهم. وعلوُّ الهمَّة أن لا تقف دون الله، ولا تتعوّض عنه بشيءٍ، ولا ترضى بغيره بدلًا منه، ولا تبيع حظّها من الله وقربَه والأنسَ به، والفرحَ والسُّرورَ والابتهاجَ به، بشيءٍ من الحظوظ الخسيسة الفانية، فالهمّة العالية على الهمم كالطّائر العالي على الطُّيور، لا يرضى بمساقطتهم١، ولا تصل إليه الآفات التي تصل إليهم، فإنّ الهمّةَ كلّما علَت بعُدَت عن وصول الآفات إليها، وكلّما نزلت٢ قصَدَتْها الآفاتُ مِن كلِّ مكانٍ، فإنّ الآفات قواطعُ وجواذبُ، وهي لا تعلو إلى المكان العالي فتجتذب منه، وإنّما تجتذب من المكان السّافل، فعلوُّ همّة المرء عنوانُ فلاحه، وسفولُ همّته عنوانُ حرمانه.

العلامة الثانية: صفاء القصد، وهو خَلاصُه من الشوائب التي تعوقه عن مقصوده، فصفاء القصد: تجريدُه لطلب المقصود له لا لغيره، فهاتان آفتان في القصد؛ إحداهما٣: أن لا يتجرّد لمطلوبه. الثّاني: أن يطلبه لغيره لا لذاته.

وصفاء القصد يُراد به: العزم الجازم على اقتحام بحر الفناء عند الشيخ ومَن وافقه على أنّ الفناء غايةٌ.

ويراد به: خُلوص القصد مِن كلِّ إرادةٍ تزاحم مراد الرّبِّ تعالى، بل يصير القصد مجرّدًا لمراده الدِّينيِّ الأمريِّ.

وهذه طريقة من يجعل الغاية هي الفناء عن إرادة السِّوى، وعلامته:

  1. (١) ت، ر: «بمساقطهم».
  2. (٢) ر: «قربت».
  3. (٣) د، ر: «أحدهما».
30

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي