مدارج السالكين

الأولى: علوُّ هممهم. وعلوُّ الهمَّة أن لا تقف دون الله، ولا تتعوّض عنه بشيءٍ، ولا ترضى بغيره بدلًا منه، ولا تبيع حظّها من الله وقربَه والأنسَ به، والفرحَ والسُّرورَ والابتهاجَ به، بشيءٍ من الحظوظ الخسيسة الفانية، فالهمّة العالية على الهمم كالطّائر العالي على الطُّيور، لا يرضى بمساقطتهم١، ولا تصل إليه الآفات التي تصل إليهم، فإنّ الهمّةَ كلّما علَت بعُدَت عن وصول الآفات إليها، وكلّما نزلت٢ قصَدَتْها الآفاتُ مِن كلِّ مكانٍ، فإنّ الآفات قواطعُ وجواذبُ، وهي لا تعلو إلى المكان العالي فتجتذب منه، وإنّما تجتذب من المكان السّافل، فعلوُّ همّة المرء عنوانُ فلاحه، وسفولُ همّته عنوانُ حرمانه.

العلامة الثانية: صفاء القصد، وهو خَلاصُه من الشوائب التي تعوقه عن مقصوده، فصفاء القصد: تجريدُه لطلب المقصود له لا لغيره، فهاتان آفتان في القصد؛ إحداهما٣: أن لا يتجرّد لمطلوبه. الثّاني: أن يطلبه لغيره لا لذاته.

وصفاء القصد يُراد به: العزم الجازم على اقتحام بحر الفناء عند الشيخ ومَن وافقه على أنّ الفناء غايةٌ.

ويراد به: خُلوص القصد مِن كلِّ إرادةٍ تزاحم مراد الرّبِّ تعالى، بل يصير القصد مجرّدًا لمراده الدِّينيِّ الأمريِّ.

وهذه طريقة من يجعل الغاية هي الفناء عن إرادة السِّوى، وعلامته:

  1. (١) ت، ر: «بمساقطهم».
  2. (٢) ر: «قربت».
  3. (٣) د، ر: «أحدهما».
30

اندراج حظِّ العبد١ في حقِّ الرّبِّ تعالى، بحيث يصير حظُّه هو نفس حقِّ ربِّه عليه. ولا يخفى على البصير الصّادق علوُّ هذه المنزلة، وفضلها على منزلة الفناء، وبالله التّوفيق.

العلامة الثّالثة: صحّة السُّلوك وهو سلامته من الآفات والعوائق والقواطع، وهو إنّما يصحُّ بثلاثة أشياء:

أحدها: أن يكون على الدّربِ الأعظم٢، النّبويِّ المحمّديِّ، لا على الجوادِّ الوضعيّة، والرُّسوم الاصطلاحيّة، وإن زخرفوا لها القولَ ودقّقوا لها الإشارة، وحسّنوا لها العبارة، فتلك من بقايا النُّفوس عليهم وهم لا يشعرون.

الثّاني: أن لا يجيب على الطّريق داعي البطالة والوقوف والدّعة.

الثّالث: أن يكون في سلوكه ناظرًا إلى المقصود. وقد تقدّم بيان ذلك.

فبهذه الثّلاثة يصحُّ السُّلوك، والعبارةُ الجامعة لها: أن يكون واحدًا لواحدٍ في طريقٍ واحدٍ، فلا ينقسم طلبه ولا مطلوبه، ولا تتلوّن طريقه٣.

وأمّا الثّلاثة السّلبيّة التي ذكرها، فأوُّلها قوله: (ولم يوقَف لهم على رسمٍ) يريد: أنّهم قد انمحت رسومُهم، فلم يبق منها ما يقف عليه واقف.

وهذا كلامٌ يحتاج إلى شرحٍ؛ فإنّ الرّسم الظّاهر المعاين لا يمحى٤ ما

  1. (١) ر: «العبودية».
  2. (٢) بعده في ط: «الدرب».
  3. (٣) ر، ط: «يتلون مطلوبه».
  4. (٤) ت: «ينمحي».
31

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي