مدارج السالكين

اندراج حظِّ العبد١ في حقِّ الرّبِّ تعالى، بحيث يصير حظُّه هو نفس حقِّ ربِّه عليه. ولا يخفى على البصير الصّادق علوُّ هذه المنزلة، وفضلها على منزلة الفناء، وبالله التّوفيق.

العلامة الثّالثة: صحّة السُّلوك وهو سلامته من الآفات والعوائق والقواطع، وهو إنّما يصحُّ بثلاثة أشياء:

أحدها: أن يكون على الدّربِ الأعظم٢، النّبويِّ المحمّديِّ، لا على الجوادِّ الوضعيّة، والرُّسوم الاصطلاحيّة، وإن زخرفوا لها القولَ ودقّقوا لها الإشارة، وحسّنوا لها العبارة، فتلك من بقايا النُّفوس عليهم وهم لا يشعرون.

الثّاني: أن لا يجيب على الطّريق داعي البطالة والوقوف والدّعة.

الثّالث: أن يكون في سلوكه ناظرًا إلى المقصود. وقد تقدّم بيان ذلك.

فبهذه الثّلاثة يصحُّ السُّلوك، والعبارةُ الجامعة لها: أن يكون واحدًا لواحدٍ في طريقٍ واحدٍ، فلا ينقسم طلبه ولا مطلوبه، ولا تتلوّن طريقه٣.

وأمّا الثّلاثة السّلبيّة التي ذكرها، فأوُّلها قوله: (ولم يوقَف لهم على رسمٍ) يريد: أنّهم قد انمحت رسومُهم، فلم يبق منها ما يقف عليه واقف.

وهذا كلامٌ يحتاج إلى شرحٍ؛ فإنّ الرّسم الظّاهر المعاين لا يمحى٤ ما

  1. (١) ر: «العبودية».
  2. (٢) بعده في ط: «الدرب».
  3. (٣) ر، ط: «يتلون مطلوبه».
  4. (٤) ت: «ينمحي».
31

دام في هذا العالم، ولا يريدون محو هذا الرّسم١، وهم مختلفون فيما يعبّر بالرّسم عنه.

فطائفةٌ قالت: الرّسم ما سوى الحقِّ سبحانه، ومحوه هو: ذهاب الوقوف معه والنّظر إليه والرِّضا به والتّعلُّق به.

ومنهم من يريد بالرّسوم: الظّواهر والعلامات.

وهذا أقرب إلى وضع اللُّغة، فإنّ رسمَ الدّار هو الأثر الباقي منها يدلُّ عليها، ولهذا يسمُّون الفقهاءَ وأهلَ الأثر ونحوهم: علماءَ الرُّسوم؛ لأنّهم لم يَصِلوا إلى الحقائق، بل اشتغلوا عن معرفتها بالظّواهر والأدلّة.

فهذه الطّائفة التي أشار إليها لا رسم لهم يقفون عنده، بل قد اشتغلوا بالحقائق والمعاني عن الرُّسوم والظّواهر.

وللملحد٢ هاهنا مجالٌ؛ إذ عنده أنّ العبادات والأوامر والأوراد كلّها رسومٌ، وأنّ العباد وقفوا على الرُّسوم، ووقفوا هُم٣ على الحقائق.

ولعَمْر الله إنّها لرسومٌ إلهيّةٌ أتت على أيدي رسله، ورَسَم لهم أن لا يتعدّوها، ولا يقصِّروا عنها، فالرُّسل قعدوا على هذه الرُّسوم يدعون الخلقَ إليها، ويمنعونهم من تجاوزها، ليصلوا إلى حقائقها ومقاصدها، فعطّلت الملاحدةُ تلك الرُّسوم، وقالوا: إنّما المراد الحقائق، ففاتهم الرُّسوم

  1. (١) د: «الرسوم».
  2. (٢) يعني العفيف التلمساني في شرحه لـ «منازل السائرين» (ص ٤٧٤).
  3. (٣) ش: «ووقفوهم».
32

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي