مدارج السالكين

دام في هذا العالم، ولا يريدون محو هذا الرّسم١، وهم مختلفون فيما يعبّر بالرّسم عنه.

فطائفةٌ قالت: الرّسم ما سوى الحقِّ سبحانه، ومحوه هو: ذهاب الوقوف معه والنّظر إليه والرِّضا به والتّعلُّق به.

ومنهم من يريد بالرّسوم: الظّواهر والعلامات.

وهذا أقرب إلى وضع اللُّغة، فإنّ رسمَ الدّار هو الأثر الباقي منها يدلُّ عليها، ولهذا يسمُّون الفقهاءَ وأهلَ الأثر ونحوهم: علماءَ الرُّسوم؛ لأنّهم لم يَصِلوا إلى الحقائق، بل اشتغلوا عن معرفتها بالظّواهر والأدلّة.

فهذه الطّائفة التي أشار إليها لا رسم لهم يقفون عنده، بل قد اشتغلوا بالحقائق والمعاني عن الرُّسوم والظّواهر.

وللملحد٢ هاهنا مجالٌ؛ إذ عنده أنّ العبادات والأوامر والأوراد كلّها رسومٌ، وأنّ العباد وقفوا على الرُّسوم، ووقفوا هُم٣ على الحقائق.

ولعَمْر الله إنّها لرسومٌ إلهيّةٌ أتت على أيدي رسله، ورَسَم لهم أن لا يتعدّوها، ولا يقصِّروا عنها، فالرُّسل قعدوا على هذه الرُّسوم يدعون الخلقَ إليها، ويمنعونهم من تجاوزها، ليصلوا إلى حقائقها ومقاصدها، فعطّلت الملاحدةُ تلك الرُّسوم، وقالوا: إنّما المراد الحقائق، ففاتهم الرُّسوم

  1. (١) د: «الرسوم».
  2. (٢) يعني العفيف التلمساني في شرحه لـ «منازل السائرين» (ص ٤٧٤).
  3. (٣) ش: «ووقفوهم».
32

والحقائق معًا. ووصلوا ولكن إلى الحقائق الإلحاديّة الكفريّة١ ﴿وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [آل عمران: ٢٤]، ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٤٣].

فأحسن ما حُمِل عليه قولُ الشّيخ ﵀: (ولم يقفوا مع رسمٍ): أنّهم لم ينقطعوا بشيءٍ سوى الله عنه، فكلُّ ما قَطَع عن الله لم يقفوا معه، وما أوصلهم إلى الله لم يفارقوه، وكان وقوفهم معه.

وقد يريد بقوله: (لم يوقَف لهم على رسمٍ) أنّهم لِعُلوِّ هممهم سبقوا النّاس في السّير، ولم يقفوا معهم، فهم المفرِّدون السّابقون، فلسَبْقِهم لم يوقَف لهم على أثرٍ في الطّريق، ولم يعلم المتأخِّر عنهم أين سلكوا! والمشمِّر بعدهم قد يرى آثار٢ نيرانهم على بُعْدٍ عظيمٍ، كما يرى الكوكب٣، ويستخبر مَن رآهم؟ وأينَ رآهم٤؟ فحاله كما قيل٥:

أسائلُ عنكم كلَّ غادٍ ورائحٍوأومي إلى أوطانكم وأسلِّم

العلامة الثّانية: قوله: (ولم يُنسبوا إلى اسمٍ) أي: لم يشتهروا باسمٍ٦ عند النّاس من الأسماء التي صارت أعلامًا لأهل الطّريق.

  1. (١) ت، ر: «ولكن». ت: «الاتحادية» بدلامن الإلحادية. د، ت: «والكفرية».
  2. (٢) د: «أثر».
  3. (٣) د، ر: «الكواكب».
  4. (٤) «وأين رآهم» من ر، ت.
  5. (٥) البيت للمؤلف ضمن قصيدته الميمية (ص ٦٤ ــ ضمن مجموع أربح البضاعة).
  6. (٦) ر، ط زيادة: «يعرفون به».
33

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي