فأحسن ما حُمِل عليه قولُ الشّيخ ﵀: (ولم يقفوا مع رسمٍ): أنّهم لم ينقطعوا بشيءٍ سوى الله عنه، فكلُّ ما قَطَع عن الله لم يقفوا معه، وما أوصلهم إلى الله لم يفارقوه، وكان وقوفهم معه.
وقد يريد بقوله: (لم يوقَف لهم على رسمٍ) أنّهم لِعُلوِّ هممهم سبقوا النّاس في السّير، ولم يقفوا معهم، فهم المفرِّدون السّابقون، فلسَبْقِهم لم يوقَف لهم على أثرٍ في الطّريق، ولم يعلم المتأخِّر عنهم أين سلكوا! والمشمِّر بعدهم قد يرى آثار٢ نيرانهم على بُعْدٍ عظيمٍ، كما يرى الكوكب٣، ويستخبر مَن رآهم؟ وأينَ رآهم٤؟ فحاله كما قيل٥:
أسائلُ عنكم كلَّ غادٍ ورائحٍوأومي إلى أوطانكم وأسلِّم
العلامة الثّانية: قوله: (ولم يُنسبوا إلى اسمٍ) أي: لم يشتهروا باسمٍ٦ عند النّاس من الأسماء التي صارت أعلامًا لأهل الطّريق.
(٥) البيت للمؤلف ضمن قصيدته الميمية (ص ٦٤ ــ ضمن مجموع أربح البضاعة).
(٦) ر، ط زيادة: «يعرفون به».
وأيضًا، فإنّهم لم يتقيّدوا بعملٍ واحدٍ يجري عليهم اسمُه، فيُعرفون به دون غيره من الأعمال. فإنّ هذا آفةٌ في العبوديّة، وهي عبوديّةٌ مقيّدةٌ، وأمّا العبوديّة المطلقة فلا يُعرف صاحبها باسمٍ معيّنٍ من معاني أسمائها، فإنّه مجيبٌ لداعيها على اختلاف أنواعها، فله مع كلِّ أهل عبوديّةٍ نصيبٌ يضرب معهم بسهمٍ، فلا يتقيّد برسمٍ ولا إشارةٍ، ولا اسمٍ ولا زِيٍّ، ولا طريقٍ وضعيٍّ اصطلاحيٍّ.
بل إن سُئل عن شيخه؟ قال: الرّسول، وعن طريقِه؟ قال: الاتِّباع، وعن خِرْقَتِه؟ قال: لباس التّقوى، وعن مذهبه؟ قال: تحكيم السُّنّة، وعن مقصوده ومطلبه؟ قال: ﴿وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾[الأنعام: ٥٢]، وعن رِباطه وخانكاته؟ قال: ﴿بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾[النور: ٣٦]، وعن نسبه؟ قال:
أبي الإسلامُ لا أبَ لي سواهإذا افتخروا بقيسٍ أو تميم١
وعن مأكله ومشربه؟ قال: ما لك ولها؟ معها حِذاؤها وسِقاؤها تَرِد الماءَ وترعى الشّجرَ حتّى تلقى ربّها٢.
واحسرتاه تمضّى٣ العمرُ وانصرمتساعاتُه بين ذلِّ العجز والكسل
والقوم قد أخذوا درب النّجاة وقدساروا إلى المطلب الأعلى على مَهلِ٤
(١) اختلف في نسبة البيت، فنسبه في «الكامل» (٣/ ١٠٩٧) و«الشعر والشعراء» (١/ ٥٢٣) إلى نهار بن توسعة، ونُسِب إلى سلمان الفارسي وإلى قُراد بن أقرم.
(٢) مقتبس من حديث ضالة الإبل والغنم في «الصحيحين».