مدارج السالكين

وأيضًا، فإنّهم لم يتقيّدوا بعملٍ واحدٍ يجري عليهم اسمُه، فيُعرفون به دون غيره من الأعمال. فإنّ هذا آفةٌ في العبوديّة، وهي عبوديّةٌ مقيّدةٌ، وأمّا العبوديّة المطلقة فلا يُعرف صاحبها باسمٍ معيّنٍ من معاني أسمائها، فإنّه مجيبٌ لداعيها على اختلاف أنواعها، فله مع كلِّ أهل عبوديّةٍ نصيبٌ يضرب معهم بسهمٍ، فلا يتقيّد برسمٍ ولا إشارةٍ، ولا اسمٍ ولا زِيٍّ، ولا طريقٍ وضعيٍّ اصطلاحيٍّ.

بل إن سُئل عن شيخه؟ قال: الرّسول، وعن طريقِه؟ قال: الاتِّباع، وعن خِرْقَتِه؟ قال: لباس التّقوى، وعن مذهبه؟ قال: تحكيم السُّنّة، وعن مقصوده ومطلبه؟ قال: ﴿وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام: ٥٢]، وعن رِباطه وخانكاته؟ قال: ﴿بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ [النور: ٣٦]، وعن نسبه؟ قال:

أبي الإسلامُ لا أبَ لي سواهإذا افتخروا بقيسٍ أو تميم١

وعن مأكله ومشربه؟ قال: ما لك ولها؟ معها حِذاؤها وسِقاؤها تَرِد الماءَ وترعى الشّجرَ حتّى تلقى ربّها٢.

واحسرتاه تمضّى٣ العمرُ وانصرمتساعاتُه بين ذلِّ العجز والكسل
والقوم قد أخذوا درب النّجاة وقدساروا إلى المطلب الأعلى على مَهلِ٤
  1. (١) اختلف في نسبة البيت، فنسبه في «الكامل» (٣/ ١٠٩٧) و«الشعر والشعراء» (١/ ٥٢٣) إلى نهار بن توسعة، ونُسِب إلى سلمان الفارسي وإلى قُراد بن أقرم.
  2. (٢) مقتبس من حديث ضالة الإبل والغنم في «الصحيحين».
  3. (٣) ت، ر: «تقضى».
  4. (٤) لم أجد البيتين، ولعلهما للمؤلف.
34

العلامة الثالثة: قوله: (ولم يُشِر إليهم بالأصابع) يريد: أنّهم لخفائهم عن النّاس لم يُعرفوا بينهم حتّى يشيروا إليهم بالأصابع.

وفي الحديث المعروف عن النّبيِّ ﷺ: «لكلِّ عاملٍ شرّةٌ ولكلِّ شرّةٍ فترةٌ. فإنْ١ صاحِبُها سدّدَ وقارَبَ فارجوا له، وإن أشير إليه بالأصابع فلا تعدُّوه شيئًا»٢. فسئل راوي الحديث ما معنى: «أشير إليه بالأصابع» فقال: هو المبتدع في دينه، الفاجر في دنياه.

وهذا موضعٌ يحتاج إلى تفصيلٍ؛ فإنّ النّاس إنّما يشيرون بالأصابع إلى من يأتيهم بشيءٍ، فبعضهم يعرفه وبعضهم لا يعرفه، فإذا مرّ أشار من يعرفه إلى من لا يعرفه: هذا فلانٌ، وهذا قد يكون ذمًّا له، وقد يكون مدحًا، فمن كان معروفًا باجتهادٍ وعبادةٍ وزهدٍ وانقطاعٍ عن الخلق، ثمّ انحطّ عن ذلك، وعاد إلى حال أهل الدُّنيا والشّهوات= إذا مرّ بالنّاس أشاروا إليه، وقالوا: هذا كان على طريق كذا وكذا، فُتِنَ وانقلب، فهو الذي٣ قال في الحديث: «فلا تعدُّوه شيئًا» لأنّه انقلب على عقبيه، ورجع بعد الشِّرّة إلى أسوأ فترةٍ.

وقد يكون الرّجل منهمكًا في الدُّنيا ولذّاتها، ثمّ يوقظه الله لآخرته، فيترك ما هو فيه، ويُقبِل على شأنه، فإذا مرّ أشار النّاس إليه بالأصابع، وقالوا: هذا كان مفتونًا ثمّ تداركه الله. فهذا كانت شرّته في المعاصي ثمّ صارت في الطّاعات. والأوّل كانت في الطّاعات ثمّ فترت وعاد٤ إلى البدعة والفجور.

  1. (١) في هامش ش: «ظ: فإن كان».
  2. (٢) تقدم تخريجه.
  3. (٣) ت، ر، ط: «ثم فتن .. فهذا الذي ..».
  4. (٤) ر، ط: «وعاد».
35

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي