مدارج السالكين

العلامة الثالثة: قوله: (ولم يُشِر إليهم بالأصابع) يريد: أنّهم لخفائهم عن النّاس لم يُعرفوا بينهم حتّى يشيروا إليهم بالأصابع.

وفي الحديث المعروف عن النّبيِّ ﷺ: «لكلِّ عاملٍ شرّةٌ ولكلِّ شرّةٍ فترةٌ. فإنْ١ صاحِبُها سدّدَ وقارَبَ فارجوا له، وإن أشير إليه بالأصابع فلا تعدُّوه شيئًا»٢. فسئل راوي الحديث ما معنى: «أشير إليه بالأصابع» فقال: هو المبتدع في دينه، الفاجر في دنياه.

وهذا موضعٌ يحتاج إلى تفصيلٍ؛ فإنّ النّاس إنّما يشيرون بالأصابع إلى من يأتيهم بشيءٍ، فبعضهم يعرفه وبعضهم لا يعرفه، فإذا مرّ أشار من يعرفه إلى من لا يعرفه: هذا فلانٌ، وهذا قد يكون ذمًّا له، وقد يكون مدحًا، فمن كان معروفًا باجتهادٍ وعبادةٍ وزهدٍ وانقطاعٍ عن الخلق، ثمّ انحطّ عن ذلك، وعاد إلى حال أهل الدُّنيا والشّهوات= إذا مرّ بالنّاس أشاروا إليه، وقالوا: هذا كان على طريق كذا وكذا، فُتِنَ وانقلب، فهو الذي٣ قال في الحديث: «فلا تعدُّوه شيئًا» لأنّه انقلب على عقبيه، ورجع بعد الشِّرّة إلى أسوأ فترةٍ.

وقد يكون الرّجل منهمكًا في الدُّنيا ولذّاتها، ثمّ يوقظه الله لآخرته، فيترك ما هو فيه، ويُقبِل على شأنه، فإذا مرّ أشار النّاس إليه بالأصابع، وقالوا: هذا كان مفتونًا ثمّ تداركه الله. فهذا كانت شرّته في المعاصي ثمّ صارت في الطّاعات. والأوّل كانت في الطّاعات ثمّ فترت وعاد٤ إلى البدعة والفجور.

  1. (١) في هامش ش: «ظ: فإن كان».
  2. (٢) تقدم تخريجه.
  3. (٣) ت، ر، ط: «ثم فتن .. فهذا الذي ..».
  4. (٤) ر، ط: «وعاد».
35

وبالجملة فالإشارة بالأصابع إلى الرّجل: علامة خيرٍ وشرٍّ، ومورد هلَكَة ونجاة١، والله الموفِّق.

قوله: (أولئك ذخائر الله حيث كانوا). ذخائرُ الملك: ما يخبِّئه عنده، ويدّخِره٢ لمهمّاته ولا يبذله لكلِّ أحدٍ، وكذلك ذخيرة الرّجل: ما يَدّخِره لحوائجه ومهمّاته.

وهؤلاء لمّا كانوا مستورين عن النّاس بأسبابهم، غيرَ مشارٍ إليهم ولا متميِّزين برسمٍ دون النّاس، ولا منتسبين إلى اسم طريقٍ أو مذهبٍ أو شيخٍ أو زيٍّ= كانوا بمنزلة الذّخائر المخبوءة، وهؤلاء أبعد الخلق عن الآفات، فإنّ الآفات كلّها تحت الرُّسوم والتّقيُّد٣ بها، ولزوم الطُّرق الاصطلاحيّة، والأوضاع المتداولة الحادثة؛ هذه هي التي قطعت أكثر الخلق عن الله، وهم لا يشعرون.

والعجب أنّ أهلها هم المعروفون بالطّلب والإرادة والمسير إلى الله٤. وهم ــ إلّا الواحد بعد الواحد ــ مقطوعون عن الله بتلك٥ الرُّسوم والقيود.

وقد سُئل بعض الأئمّة عن السُّنّة٦؟ فقال: ما لا اسم له غير٧ السُّنّة،

  1. (١) ر، ت: «هلاكه ونجاته».
  2. (٢) كذا في النسخ الأربع، ووقع في م ١، ط: «يذخره» بالذال، وكذا في الموضع بعدها.
  3. (٣) ت: «والتعبد».
  4. (٤) ر، ط: «والسير»، وقوله: «وهم لا يشعرون ..» إلى هنا ساقط من ت.
  5. (٥) د: «إلى»، و«والقيود» ساقطة من ر.
  6. (٦) هو الإمام مالك بن أنس، ذكر الخبر ابنُ عبدالبر في «الانتقاء» (ص ٣٥)، وعياض في «ترتيب المدارك»: (١/ ١٧٢).
  7. (٧) ت، ر، ط «سوى». وغير محررة في ش، د ويشبه رسمها «عن»، والظاهر ما أثبت.
36

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي