وبالجملة فالإشارة بالأصابع إلى الرّجل: علامة خيرٍ وشرٍّ، ومورد هلَكَة ونجاة١، والله الموفِّق.
قوله: (أولئك ذخائر الله حيث كانوا). ذخائرُ الملك: ما يخبِّئه عنده، ويدّخِره٢ لمهمّاته ولا يبذله لكلِّ أحدٍ، وكذلك ذخيرة الرّجل: ما يَدّخِره لحوائجه ومهمّاته.
وهؤلاء لمّا كانوا مستورين عن النّاس بأسبابهم، غيرَ مشارٍ إليهم ولا متميِّزين برسمٍ دون النّاس، ولا منتسبين إلى اسم طريقٍ أو مذهبٍ أو شيخٍ أو زيٍّ= كانوا بمنزلة الذّخائر المخبوءة، وهؤلاء أبعد الخلق عن الآفات، فإنّ الآفات كلّها تحت الرُّسوم والتّقيُّد٣ بها، ولزوم الطُّرق الاصطلاحيّة، والأوضاع المتداولة الحادثة؛ هذه هي التي قطعت أكثر الخلق عن الله، وهم لا يشعرون.
والعجب أنّ أهلها هم المعروفون بالطّلب والإرادة والمسير إلى الله٤. وهم ــ إلّا الواحد بعد الواحد ــ مقطوعون عن الله بتلك٥ الرُّسوم والقيود.
وقد سُئل بعض الأئمّة عن السُّنّة٦؟ فقال: ما لا اسم له غير٧ السُّنّة،
(١) ر، ت: «هلاكه ونجاته».
(٢) كذا في النسخ الأربع، ووقع في م ١، ط: «يذخره» بالذال، وكذا في الموضع بعدها.
(٣) ت: «والتعبد».
(٤) ر، ط: «والسير»، وقوله: «وهم لا يشعرون ..» إلى هنا ساقط من ت.
(٥) د: «إلى»، و«والقيود» ساقطة من ر.
(٦) هو الإمام مالك بن أنس، ذكر الخبر ابنُ عبدالبر في «الانتقاء» (ص ٣٥)، وعياض في «ترتيب المدارك»: (١/ ١٧٢).
(٧) ت، ر، ط «سوى». وغير محررة في ش، د ويشبه رسمها «عن»، والظاهر ما أثبت.
يعني: أنّ أهل السُّنّة ليس لهم اسمٌ يُنسبَون١ إليه سواها.
فمن النّاس مَن يتقيّد بلباسٍ لا يلبس غيرَه، أو بالجلوس في مكانٍ لا يجلس في٢ غيره، أو مِشيةٍ لا يمشي غيرها، أو زيٍّ وهيئةٍ لا يخرج عنهما٣، أو عبادةٍ معيّنةٍ لا يتعبّد بغيرها وإن كانت أعلى منها، أو شيخٍ معيّنٍ لا يلتفتُ إلى غيره وإن كان أقرب إلى الله ورسوله منه= وهؤلاء كلُّهم محجوبون، وعن الظّفَر بالمطلوب الأعلى مصدودون، قد قيّدتهم العوائدُ والرُّسومُ والأوضاعُ والاصطلاحاتُ عن تجريد المتابعة، فأصبحوا عنها٤ بمعزلٍ، ومنزلتهم منها أبعد منزلٍ، فترى أحدَهم يتعبّد بالرِّياضة والخَلوة وتفريغ القلب، ويَعدُّ العلمَ قاطعًا له عن الطّريق، فإذا ذُكِر له الجهاد كان أشدّ نفورًا عنه، فإذا ذُكِر له الموالاة في الله والمعاداة فيه، والأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر= عدّ ذلك فضولًا وشرًّا، وإذا رأوا بينهم من يقوم بذلك أخرجوه من بينهم، وعدُّوه غيرًا عليهم. فهؤلاء أبعد النّاس عن الله، وإن كانوا أكثر إشارةً إليه٥.
فصل
قال٦: (الطبقة الثانية: طائفةٌ أشاروا عن٧ منزلٍ وهم في غيره، وورَّوا
(١) د، ت: «ينتسبون».
(٢) من ت، ر، وهامش ش، وليس عليها علامة اللحق.
(٣) د، ر: «عنها».
(٤) ر، ط: «فأضحوا»، وش، د: «عنهما».
(٥) ر، ط: «.. إشارة، والله أعلم».
(٦) «المنازل» (ص ٨٥ - ٨٦). وفي ت: «الوظيفة الثانية».
(٧) كذا في المتن هنا وفي «شرح المنازل» للتلمساني (ص ٤٧٥)، وفي الشرح الآتي عند المؤلف وعند التلمساني: «إلى»، وهي يتعدَّى بها الإشارة.