مدارج السالكين

يعني: أنّ أهل السُّنّة ليس لهم اسمٌ يُنسبَون١ إليه سواها.

فمن النّاس مَن يتقيّد بلباسٍ لا يلبس غيرَه، أو بالجلوس في مكانٍ لا يجلس في٢ غيره، أو مِشيةٍ لا يمشي غيرها، أو زيٍّ وهيئةٍ لا يخرج عنهما٣، أو عبادةٍ معيّنةٍ لا يتعبّد بغيرها وإن كانت أعلى منها، أو شيخٍ معيّنٍ لا يلتفتُ إلى غيره وإن كان أقرب إلى الله ورسوله منه= وهؤلاء كلُّهم محجوبون، وعن الظّفَر بالمطلوب الأعلى مصدودون، قد قيّدتهم العوائدُ والرُّسومُ والأوضاعُ والاصطلاحاتُ عن تجريد المتابعة، فأصبحوا عنها٤ بمعزلٍ، ومنزلتهم منها أبعد منزلٍ، فترى أحدَهم يتعبّد بالرِّياضة والخَلوة وتفريغ القلب، ويَعدُّ العلمَ قاطعًا له عن الطّريق، فإذا ذُكِر له الجهاد كان أشدّ نفورًا عنه، فإذا ذُكِر له الموالاة في الله والمعاداة فيه، والأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر= عدّ ذلك فضولًا وشرًّا، وإذا رأوا بينهم من يقوم بذلك أخرجوه من بينهم، وعدُّوه غيرًا عليهم. فهؤلاء أبعد النّاس عن الله، وإن كانوا أكثر إشارةً إليه٥.

فصل

قال٦: (الطبقة الثانية: طائفةٌ أشاروا عن٧ منزلٍ وهم في غيره، وورَّوا

  1. (١) د، ت: «ينتسبون».
  2. (٢) من ت، ر، وهامش ش، وليس عليها علامة اللحق.
  3. (٣) د، ر: «عنها».
  4. (٤) ر، ط: «فأضحوا»، وش، د: «عنهما».
  5. (٥) ر، ط: «.. إشارة، والله أعلم».
  6. (٦) «المنازل» (ص ٨٥ - ٨٦). وفي ت: «الوظيفة الثانية».
  7. (٧) كذا في المتن هنا وفي «شرح المنازل» للتلمساني (ص ٤٧٥)، وفي الشرح الآتي عند المؤلف وعند التلمساني: «إلى»، وهي يتعدَّى بها الإشارة.
37

بأمرٍ وهم لغيره، ونادوا على شأنٍ وهم على غيره، فهم١ بين غيرةٍ عليهم تستُرهم، وأدبٍ فيهم يصونهم، وظَرفٍ يهذِّبهم).

أهلُ هذه الطبقة استسرُّوا اختيارًا وإرادةً لذلك، صيانةً لأحوالهم، وكمالًا في تمكُّنهم، فمقاماتهم عاليةٌ لا ترمقها العيون ولا تخالجها٢ الظُّنون، يشيرون٣ إلى ما يعرفه المخاطَب من مقامات المريدين السّالكين، وبدايات السُّلوك، ويخفون ما مكّنهم فيه الحقُّ تعالى من أحوال المحبّة ومواجيدها، وآثار المعرفة وتوحيدها. فهذه هي التّورية التي ذكرها.

فكأنّهم يُظهرون للمخاطَب أنَّهم من أهل البدايات، وهم في أعلى المقامات، يتكلّمون معهم في البداية والإرادة والسُّلوك، ومقامهم فوق ذلك، وهم محقُّون في الحالين٤، لكنّهم يسترون أشرف أحوالهم ومقاماتهم عن النّاس.

وبالجملة: فهم مع النّاس بظواهرهم، يخاطبونهم على قدر عقولهم، ولا يخاطبونهم بما لا تصل إليه عقولهم، فيُنْكَر٥ عليهم، فيحسبهم المخاطَب مثله، فالنّاس عندهم وليسوا هم عند أحدٍ.

  1. (١) ليست في «المنازل».
  2. (٢) ر، ط: «تخالطها».
  3. (٣) ش، ر: «يسيرون».
  4. (٤) ت، ر، ط: «الحالتين».
  5. (٥) ط: «فينكرون».
38

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي