مدارج السالكين

بأمرٍ وهم لغيره، ونادوا على شأنٍ وهم على غيره، فهم١ بين غيرةٍ عليهم تستُرهم، وأدبٍ فيهم يصونهم، وظَرفٍ يهذِّبهم).

أهلُ هذه الطبقة استسرُّوا اختيارًا وإرادةً لذلك، صيانةً لأحوالهم، وكمالًا في تمكُّنهم، فمقاماتهم عاليةٌ لا ترمقها العيون ولا تخالجها٢ الظُّنون، يشيرون٣ إلى ما يعرفه المخاطَب من مقامات المريدين السّالكين، وبدايات السُّلوك، ويخفون ما مكّنهم فيه الحقُّ تعالى من أحوال المحبّة ومواجيدها، وآثار المعرفة وتوحيدها. فهذه هي التّورية التي ذكرها.

فكأنّهم يُظهرون للمخاطَب أنَّهم من أهل البدايات، وهم في أعلى المقامات، يتكلّمون معهم في البداية والإرادة والسُّلوك، ومقامهم فوق ذلك، وهم محقُّون في الحالين٤، لكنّهم يسترون أشرف أحوالهم ومقاماتهم عن النّاس.

وبالجملة: فهم مع النّاس بظواهرهم، يخاطبونهم على قدر عقولهم، ولا يخاطبونهم بما لا تصل إليه عقولهم، فيُنْكَر٥ عليهم، فيحسبهم المخاطَب مثله، فالنّاس عندهم وليسوا هم عند أحدٍ.

  1. (١) ليست في «المنازل».
  2. (٢) ر، ط: «تخالطها».
  3. (٣) ش، ر: «يسيرون».
  4. (٤) ت، ر، ط: «الحالتين».
  5. (٥) ط: «فينكرون».
38

قوله: (أشاروا إلى منزلٍ، وهم في غيره) يعني: يشيرون إلى منزل التّوبة والمحاسبة، وهم في منزل المحبّة والوَجْد والذّوق ونحوها.

وقد يريد: أنّهم يشيرون إلى أنّهم عامّةٌ وهم خاصّة الخاصّة، وإلى أنّهم جهّالٌ وهم العارفون بالله، وأنّهم مسيئون وهم المحسنون١. وعلى هذا فيكونون من الطّائفة المَلامَتيّة، الذين يُظهرون ما لا يُمدَحون عليه، ويُسرُّون ما يَحمدهم الله عليه، عكس المرائين المنافقين.

وهؤلاء طائفةٌ معروفةٌ، لهم طريقٌ معروفةٌ، تسمّى طريق أهل الملامة، وتسمّى٢ الطّائفة الملامتيّة٣، ويزعمون أنّهم يحتملون ملامَ النّاسِ لهم على ما يظهرونه من الأعمال، ليخلص لهم ما يبطنونه من الأحوال. ويحتجُّون بقوله تعالى: ﴿دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾ [المائدة: ٥٤].

فهم عاملون على إسقاط جاههم ومنزلتهم في قلوب النّاس، لمّا رأوا المغترِّين ــ المغترّ بهم ــ من المنتسبين إلى السُّلوك يعملون على تربية٤ نفوسهم، وتوفير جاههم في قلوب النّاس، فعاكسهم هؤلاء وأظهروا بطالةً وأبطنوا أعمالًا، وكتموا أحوالهم جهدهم، وينشدون في هذه الحال٥:

  1. (١) ط، ر: «محسنون».
  2. (٢) ر، ط: «وهم».
  3. (٣) ينظر ما سيأتي (٤/ ٤١)، و«إغاثة اللهفان»: (١/ ٢٠٦)، و«الاستقامة»: (١/ ٢٦٤).
  4. (٤) ط: «تزكية».
  5. (٥) البيتان لأبي فراس الحمداني «ديوانه» (ص ١٦).
    وفي ر، ط زيادة بيت ثالث، وأنشده المؤلف في «الرسالة التبوكية» (ص ٩٢) وهو للمتنبي:
    إذا صحّ منك الودُّ يا غاية المنى ... فكلُّ الذي فوق التُّراب تراب
39

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي