مدارج السالكين

قوله: (أشاروا إلى منزلٍ، وهم في غيره) يعني: يشيرون إلى منزل التّوبة والمحاسبة، وهم في منزل المحبّة والوَجْد والذّوق ونحوها.

وقد يريد: أنّهم يشيرون إلى أنّهم عامّةٌ وهم خاصّة الخاصّة، وإلى أنّهم جهّالٌ وهم العارفون بالله، وأنّهم مسيئون وهم المحسنون١. وعلى هذا فيكونون من الطّائفة المَلامَتيّة، الذين يُظهرون ما لا يُمدَحون عليه، ويُسرُّون ما يَحمدهم الله عليه، عكس المرائين المنافقين.

وهؤلاء طائفةٌ معروفةٌ، لهم طريقٌ معروفةٌ، تسمّى طريق أهل الملامة، وتسمّى٢ الطّائفة الملامتيّة٣، ويزعمون أنّهم يحتملون ملامَ النّاسِ لهم على ما يظهرونه من الأعمال، ليخلص لهم ما يبطنونه من الأحوال. ويحتجُّون بقوله تعالى: ﴿دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾ [المائدة: ٥٤].

فهم عاملون على إسقاط جاههم ومنزلتهم في قلوب النّاس، لمّا رأوا المغترِّين ــ المغترّ بهم ــ من المنتسبين إلى السُّلوك يعملون على تربية٤ نفوسهم، وتوفير جاههم في قلوب النّاس، فعاكسهم هؤلاء وأظهروا بطالةً وأبطنوا أعمالًا، وكتموا أحوالهم جهدهم، وينشدون في هذه الحال٥:

  1. (١) ط، ر: «محسنون».
  2. (٢) ر، ط: «وهم».
  3. (٣) ينظر ما سيأتي (٤/ ٤١)، و«إغاثة اللهفان»: (١/ ٢٠٦)، و«الاستقامة»: (١/ ٢٦٤).
  4. (٤) ط: «تزكية».
  5. (٥) البيتان لأبي فراس الحمداني «ديوانه» (ص ١٦).
    وفي ر، ط زيادة بيت ثالث، وأنشده المؤلف في «الرسالة التبوكية» (ص ٩٢) وهو للمتنبي:
    إذا صحّ منك الودُّ يا غاية المنى ... فكلُّ الذي فوق التُّراب تراب
39
فليتك تحلو والحياةُ مريرةٌوليتك ترضى والأنامُ غِضابُ
وليتَ الذي بيني وبينَك عامرٌوبيني وبين العالمين خرابُ

وقال الإمام أحمد١: حدّثنا عبد الرّزّاق، أنا سفيان، عن منصورٍ، عن هلال بن يسافٍ قال: كان عيسى ﵊ يقول: إذا كان٢ صوم أحدكم فليدهن لحيتَه وليمسح شفتَيه، حتّى يخرج إلى النّاس، فيقولوا٣: ليس بصائمٍ.

ولهذا قال بعضهم: التّصوُّف ترك الدّعاوي، وكتمان المعاني٤.

وسئل الحارث بن أسدٍ عن علامات الصّادق؟ فقال: أن لا يبالي أن يَخرجَ كلّ قدْرٍ له في قلوب الخلق من أجل صلاح قلبه، ولا يحبُّ اطِّلاع النّاس على اليسير من عمله٥.

وهذا يُحمد في حالٍ ويذمُّ في حالٍ، ويَحسُن مِن رجلٍ ويَقبُح مِن آخر،

  1. (١) في «الزهد» (ص ٥٧). وأخرجه البيهقي في «الشعب»: (٩/ ١٩٤) من طريق أخرى عن هلال بن يساف، بزيادة في آخره.
  2. (٢) ط: «كان يوم».
  3. (٣) ر، ط: «فيقولون».
  4. (٤) ينظر «مجموع الفتاوى»: (١١/ ١٦)، و«شرح الطريقة المحمدية»: (٢/ ٤٣) للخادمي.
  5. (٥) ذكره في «الرسالة القشيرية»: (ص ٤٨٦).
40

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي