مدارج السالكين

فيُحمَد إذا أظهر ما يجوز إظهارُه، ولا نقص عليه فيه، ولا ذمّ من الله ورسوله؛ ليكتم به حالَه وعملَه، كما إذا أظهر الغِنى وكتمَ الفاقَة١، وأظهر الصِّحّة وكتم المرض، وأظهر النِّعمة وكتم البليّة.

فهذا كلُّه من كنوز السِّتر٢، وله في القلب تأثيرٌ عجيبٌ يعرفه من ذاقه. وشكا رجلٌ إلى الأحنف بن قيسٍ شَكاةً فقال: يا ابن أخي لقد ذهب ضوء عيني٣ من عشرين سنةً فما أخبرتُ به أحدًا٤.

وأمّا الحال التي يُذمُّ فيها: فأنْ يُظهر ما لا يجوز إظهاره، ليسيء النّاسُ به الظّنَّ، فلا يعظِّمونه، كما يُذكر عن بعضهم: أنّه دخل الحمّام، ثمّ خرج وسرق ثياب رجلٍ، ومشى رويدًا حتّى أدركوه، فأخذوها منه وسبُّوه. فهذا حرامٌ لا يحلُّ تعاطيه، ويقبح أيضًا من المتبوع المقتدى به ذلك، بل وما٥ هو دونه؛ لأنّه يغرُّ النّاسَ ويوقعهم في التّأسِّي بما يُظهره٦.

فالملامتيَّة نوعان: ممدوحون أبرارٌ، ومذمومون جهّالٌ وإن كانوا في خفارة صدقهم.

  1. (١) ر، ط: «الفقر والفاقة».
  2. (٢) د، ت: «البر».
  3. (٣) ر، ط: «بصري».
  4. (٤) خبره في «الزهد» لأحمد (ص ٢٨٨) و«شعب الإيمان» (٩٥٨٣) و«صفة الصفوة»: (٣/ ٢٠٠). ومثله خبر الإمام إبراهيم الحربي ينظر «تاريخ بغداد»: (٦/ ٣١) و«معجم الأدباء»: (١/ ٤٢).
  5. (٥) ت: «ومن».
  6. (٦) ط زيادة: «من سوء».
41

فالأول: الذين لا يبالون بلوم اللوّام في ذات الله، والقيام بأمره، والدّعوة إليه، وهم الذين قال الله فيهم: ﴿الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾ [المائدة: ٥٤] فأحبُّ النّاس إلى الله مَن لا تأخذُه في الله لومة لائمٍ، وكان عمر بن الخطّاب لا يأخذه في الله لومة لائمٍ١.

والنوع الثاني المذموم: هو الذي يُظهِر ما يُلام عليه شرعًا من محرّمٍ أو مكروهٍ، ليكتم بذلك حالَه، وقد قال النّبيُّ ﷺ: «لا ينبغي للمؤمن أن يذلّ نفسَه»٢.

فلنرجع إلى شرح كلام الشيخ.

  1. (١) من ت، ر، ط. وقد أخرج أحمد في «المسند» (٨٥٩) والحاكم: (٣/ ٧٠) وغيرهما عن عليّ قال: قيل يا رسول الله من نؤمّر بعد؟ قال: إن تؤمروا أبا بكر تجدوه أمينًا ... وإن تؤمروا عمر تجدوه قويًّا أمينًا، لا يخاف في الله لومة لائمة ...». وصححه الحاكم، وهو ضعيف من وجوه عدة، ينظر «العلل المتناهية»: (١/ ٢٥٣ - ٢٥٤). وله شاهد من حديث حذيفة عند الحاكم (٣/ ٧٠)، وجاء وصفه بذلك من كلام الحسن البصري عند ابن أبي شيبة (٣٢٦٧٣) وعن كعب الأحبار عند الطبراني في «الكبير» (١/ ٨٤). وروي عنه قولُه: «من ولي من أمر المسلمين شيئًا فلا يخَفْ في الله لومة لائم»، رواه معمر في «جامعه» (٢٠٦٩٣) والبيهقي في «الشعب» (٧١٥٥).
  2. (٢) أخرجه أحمد (٢٣٤٤٤)، والترمذي (٢٢٤٥)، وابن ماجه (٤٠١٦)، وغيرهم من طريق علي بن زيد بن جدعان عن الحسن البصري عن جندب عن حذيفة بن اليمان ﵁، قال الترمذي: حسن غريب. وفي إسناده علي بن زيد بن جدعان، ضعيف الحديث، وقد خولف فرواه غير واحد عن الحسن عن النبي ﷺ مرسلًا. وسئل عنه أبو حاتم الرازي فقال: منكر. كما في «العلل» (٥/ ١٨٧). وله شاهد من حديث ابن عمر أخرجه الطبراني في «الكبير» (١٣٥٠٧)، و«الأوسط» (٥٣٥٣)، والبزار (٣٣٢٣). وقال العراقي في تخريج «الإحياء»: (١/ ١٥٢): إسناده جيد.
42

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي