مدارج السالكين

فالأول: الذين لا يبالون بلوم اللوّام في ذات الله، والقيام بأمره، والدّعوة إليه، وهم الذين قال الله فيهم: ﴿الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾ [المائدة: ٥٤] فأحبُّ النّاس إلى الله مَن لا تأخذُه في الله لومة لائمٍ، وكان عمر بن الخطّاب لا يأخذه في الله لومة لائمٍ١.

والنوع الثاني المذموم: هو الذي يُظهِر ما يُلام عليه شرعًا من محرّمٍ أو مكروهٍ، ليكتم بذلك حالَه، وقد قال النّبيُّ ﷺ: «لا ينبغي للمؤمن أن يذلّ نفسَه»٢.

فلنرجع إلى شرح كلام الشيخ.

  1. (١) من ت، ر، ط. وقد أخرج أحمد في «المسند» (٨٥٩) والحاكم: (٣/ ٧٠) وغيرهما عن عليّ قال: قيل يا رسول الله من نؤمّر بعد؟ قال: إن تؤمروا أبا بكر تجدوه أمينًا ... وإن تؤمروا عمر تجدوه قويًّا أمينًا، لا يخاف في الله لومة لائمة ...». وصححه الحاكم، وهو ضعيف من وجوه عدة، ينظر «العلل المتناهية»: (١/ ٢٥٣ - ٢٥٤). وله شاهد من حديث حذيفة عند الحاكم (٣/ ٧٠)، وجاء وصفه بذلك من كلام الحسن البصري عند ابن أبي شيبة (٣٢٦٧٣) وعن كعب الأحبار عند الطبراني في «الكبير» (١/ ٨٤). وروي عنه قولُه: «من ولي من أمر المسلمين شيئًا فلا يخَفْ في الله لومة لائم»، رواه معمر في «جامعه» (٢٠٦٩٣) والبيهقي في «الشعب» (٧١٥٥).
  2. (٢) أخرجه أحمد (٢٣٤٤٤)، والترمذي (٢٢٤٥)، وابن ماجه (٤٠١٦)، وغيرهم من طريق علي بن زيد بن جدعان عن الحسن البصري عن جندب عن حذيفة بن اليمان ﵁، قال الترمذي: حسن غريب. وفي إسناده علي بن زيد بن جدعان، ضعيف الحديث، وقد خولف فرواه غير واحد عن الحسن عن النبي ﷺ مرسلًا. وسئل عنه أبو حاتم الرازي فقال: منكر. كما في «العلل» (٥/ ١٨٧). وله شاهد من حديث ابن عمر أخرجه الطبراني في «الكبير» (١٣٥٠٧)، و«الأوسط» (٥٣٥٣)، والبزار (٣٣٢٣). وقال العراقي في تخريج «الإحياء»: (١/ ١٥٢): إسناده جيد.
42

فقوله: (أشاروا إلى منزلٍ، وهم في غيره). مثاله: أنّهم يتكلّمون في التّوبة والمحاسبة وهم في منزل المحبّة والفناء.

وقوله: (وورَّوا بأمرٍ، وهم بغيره). التّورية: أن يَذكر لفظًا يَفهم به المخاطَب معنًى وهو يريد غيرَه، مثاله: يقول أحدكم١: أنا غنيٌّ. فيوهم المخاطَب أنّه غنيٌّ بالشّيء. ومراده غنيٌّ بالله عنه. كما قال٢:

غَنيتُ بلا مالٍ عن النّاس كلِّهموإنّ الغنى العالي عن الشّيء لا به

ويقول: ما صحّ لي مقام التّوبة بعدُ. ويريد: ما صحّت لي التّوبة عن رؤية التّوبة، ونحو ذلك.

قوله: (ونادوا على شأنٍ، وهم على غيره) أي: عظّموا شأنًا من شؤون القوم، فيدعوا٣ النّاس إليه، وهم في أعلى منه. وهذا قريبٌ ممّا قبله.

قوله: (فهم بين غيرةٍ عليهم تسترهم) أي: يغار الحقُّ سبحانه عليهم، فيسترهم عن الخلق، ويغارون على أحوالهم ومقاماتهم، فيستترون٤ عن رؤية الخلق لها، كما قيل٥:

  1. (١) ر، ط: «أن يقول»، ر، ت، ط: «أحدهم».
  2. (٢) نسب في «المستطرف»: (٢/ ٤٣) إلى الإمام الشافعي ضمن قصيدة، ونسب إلى القهستاني في «المستطرف»: (١/ ١١٠) و«معجم الأدباء»: (٤/ ١٦٨٠). وذكره المؤلف في «طريق الهجرتين»: (١/ ٩٣)، و«المفتاح»: (١/ ٣٦٦).
  3. (٣) كذا في ش، د بحذف نون الرفع. وفي ت، ر، ط: «ودعوا» كما في «شرح التلمساني» (ص ٤٧٦).
  4. (٤) ط: «فيسترون أحوالهم».
  5. (٥) البيتان في «شرح التلمساني» (ص ٤٧٦) وصدر البيت الأول فيه:
    واسمٌ تألَّف بالخمول صيانةً
43

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي