مدارج السالكين

فقوله: (أشاروا إلى منزلٍ، وهم في غيره). مثاله: أنّهم يتكلّمون في التّوبة والمحاسبة وهم في منزل المحبّة والفناء.

وقوله: (وورَّوا بأمرٍ، وهم بغيره). التّورية: أن يَذكر لفظًا يَفهم به المخاطَب معنًى وهو يريد غيرَه، مثاله: يقول أحدكم١: أنا غنيٌّ. فيوهم المخاطَب أنّه غنيٌّ بالشّيء. ومراده غنيٌّ بالله عنه. كما قال٢:

غَنيتُ بلا مالٍ عن النّاس كلِّهموإنّ الغنى العالي عن الشّيء لا به

ويقول: ما صحّ لي مقام التّوبة بعدُ. ويريد: ما صحّت لي التّوبة عن رؤية التّوبة، ونحو ذلك.

قوله: (ونادوا على شأنٍ، وهم على غيره) أي: عظّموا شأنًا من شؤون القوم، فيدعوا٣ النّاس إليه، وهم في أعلى منه. وهذا قريبٌ ممّا قبله.

قوله: (فهم بين غيرةٍ عليهم تسترهم) أي: يغار الحقُّ سبحانه عليهم، فيسترهم عن الخلق، ويغارون على أحوالهم ومقاماتهم، فيستترون٤ عن رؤية الخلق لها، كما قيل٥:

  1. (١) ر، ط: «أن يقول»، ر، ت، ط: «أحدهم».
  2. (٢) نسب في «المستطرف»: (٢/ ٤٣) إلى الإمام الشافعي ضمن قصيدة، ونسب إلى القهستاني في «المستطرف»: (١/ ١١٠) و«معجم الأدباء»: (٤/ ١٦٨٠). وذكره المؤلف في «طريق الهجرتين»: (١/ ٩٣)، و«المفتاح»: (١/ ٣٦٦).
  3. (٣) كذا في ش، د بحذف نون الرفع. وفي ت، ر، ط: «ودعوا» كما في «شرح التلمساني» (ص ٤٧٦).
  4. (٤) ط: «فيسترون أحوالهم».
  5. (٥) البيتان في «شرح التلمساني» (ص ٤٧٦) وصدر البيت الأول فيه:
    واسمٌ تألَّف بالخمول صيانةً
43
ألِفَ الخمولَ صيانةً وتستُّرافكأنّما تعريفه أن يُنكرا
وكأنّه كَلِف الفؤاد بنفسهفحمَتْه غيرتُه عليها أن تُرى

قوله: (وأدبٌ فيهم يصونهم) بهذا يتمُّ أمرهم، وهو أن يقوم بهم أدبٌ يصونهم عن ظنِّ السّوء بهم، ويصونهم عن دناءة الأخلاق والأعمال، فأدبهم صوانٌ على أحوالهم، فهمّته العليّة ترتفع به، وأدبه يرسو به إلى التُّراب، كما قيل١:

أبلجُ سهلُ الأخلاقٍ ممتنعٌيبرزه الدّهر وهو محتجِبُ٢
إذا ترقّت به عزائمُهإلى الثُّريّا رسا به الأدبُ

فأدب المريد والسّالك: صونٌ٣ له، وتاجٌ على رأسه.

قوله: (وظَرفٍ يُهَذِّبُهم) التّهذيب: هو التّأديب والتّصفية.

والظّرف في هذه الطّائفة أحلى من كلِّ حلوٍ، وأزين من كلِّ زينٍ، فما قُرِن شيءٌ إلى شيءٍ أحسن من ظَرفٍ إلى صدقٍ وإخلاصٍ، وسرٍّ مع الله وجمعيّةٍ عليه، فإنّ أكثر مَن عُني بهذا الشّأن تضيقُ نفسُه وأخلاقُه عن سوى ما هو بصدده، فتثقُل وطأتُه على أهله وجليسه، ويَضَنّ عليه ببِشْرِه والتّبسُّط إليه ولين الجانب له. ولعَمْر الله إنّه لمعذورٌ، وإن لم يكن في ذلك بمشكورٍ، فإنّ الخلق كلّهم أغيارٌ، إلّا من أعانك على شأنك وساعدك على مطلوبك.

  1. (١) البيتان في «شرح التلمساني» (ص ٤٧٧).
  2. (٢) ت، ر، ط: «يحتجب»، وكذا في مصدر النقل.
  3. (٣) ر، ط: «صوان».
44

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي