مدارج السالكين
ألِفَ الخمولَ صيانةً وتستُّرافكأنّما تعريفه أن يُنكرا
وكأنّه كَلِف الفؤاد بنفسهفحمَتْه غيرتُه عليها أن تُرى

قوله: (وأدبٌ فيهم يصونهم) بهذا يتمُّ أمرهم، وهو أن يقوم بهم أدبٌ يصونهم عن ظنِّ السّوء بهم، ويصونهم عن دناءة الأخلاق والأعمال، فأدبهم صوانٌ على أحوالهم، فهمّته العليّة ترتفع به، وأدبه يرسو به إلى التُّراب، كما قيل١:

أبلجُ سهلُ الأخلاقٍ ممتنعٌيبرزه الدّهر وهو محتجِبُ٢
إذا ترقّت به عزائمُهإلى الثُّريّا رسا به الأدبُ

فأدب المريد والسّالك: صونٌ٣ له، وتاجٌ على رأسه.

قوله: (وظَرفٍ يُهَذِّبُهم) التّهذيب: هو التّأديب والتّصفية.

والظّرف في هذه الطّائفة أحلى من كلِّ حلوٍ، وأزين من كلِّ زينٍ، فما قُرِن شيءٌ إلى شيءٍ أحسن من ظَرفٍ إلى صدقٍ وإخلاصٍ، وسرٍّ مع الله وجمعيّةٍ عليه، فإنّ أكثر مَن عُني بهذا الشّأن تضيقُ نفسُه وأخلاقُه عن سوى ما هو بصدده، فتثقُل وطأتُه على أهله وجليسه، ويَضَنّ عليه ببِشْرِه والتّبسُّط إليه ولين الجانب له. ولعَمْر الله إنّه لمعذورٌ، وإن لم يكن في ذلك بمشكورٍ، فإنّ الخلق كلّهم أغيارٌ، إلّا من أعانك على شأنك وساعدك على مطلوبك.

  1. (١) البيتان في «شرح التلمساني» (ص ٤٧٧).
  2. (٢) ت، ر، ط: «يحتجب»، وكذا في مصدر النقل.
  3. (٣) ر، ط: «صوان».
44

فإذا تمكّن العبد في حاله، وصار له إقبالة١ على الله وجمعيّة٢ عليه ملَكَةً ومقامًا راسخًا= أنِسَ بالخلق وأنِسُوا به، وانبسطَ إليهم وحملهم على ضَلَعهم وبُطء سيرهم٣، وعكفت٤ القلوبُ على محبّته للُطْفِه وظَرْفِه، فإنّ النّاس ينفرون من الثقيل٥ ولو بلغ في الدِّين ما بلغ!

ولله ما يجلبُ اللُّطفُ والظَّرفُ مِن القلوب، ويدفع عن صاحبه من الشّرِّ، ويسهِّل له ما توعّر على غيره! فليس الثُّقلاء بخواصِّ الأولياء، وما ثَقُل أحدٌ على قلوب الصّادقين المخلصين إلّا من آفةٍ هناك، وإلّا فهذه الطّريق تكسو العبدَ حلاوةً ولطافةً وظَرْفًا، فيُرى الصّادق فيها من أحلى النّاس وألطفهم وأظرفهم، قد زالت عنه ثقالة النّفس وكدورة الطّبع، وصار روحانيًّا سمائيًّا بعد أن كان حيوانيًّا أرضيًّا، فتراه أكرمَ النّاس عشرةً، وألينَهم عَريكةً، وألطفَهم قلبًا وروحًا، وهذه خاصّيّة٦ المحبّة، فإنّها٧ تلطّف وتظرّف وتنظّف.

ومِن ظَرْف أهل هذه الطّبقة: أن لا يظهر أحدُهم على جليسه بحالٍ ولا مقامٍ، ولا يواجهه إذا لقيه بالحال، بل بلين الجانب، وخفْضِ الجناح،

  1. (١) ر، ط: «إقبال».
  2. (٢) د، ت: «وجمعيته».
  3. (٣) د: «بمسيرهم».
  4. (٤) ط: «فعكفت».
  5. (٥) ر، ط: «الكثيف».
  6. (٦) د، ت: «وهذا». وط: «خاصة».
  7. (٧) ش، د: «بأنها».
45

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي